أتواجدُ هنا

اشترك الآن

عن رفيق المرحلة؛ أحدثكم!

1 ديسمبر, 2018 بواسطة بُشرى المطَر

Processed with VSCO with fp4 preset

“الإنسان الذي يعرف نقاط ضعفه يملك فرصة حقيقة في تحويلها إلى نقاط قوة”
غازي القصيبي- حياة في الإدارة

ابتدأت الرحلة مع الرفيق اللطيف الحكيم، غازي القصيبي -رحمه الله- أنتقل بين جزء وآخر في كتابه “حياة في الإدارة” بخفة، أمرّ على كلماته مرورًا رشيقًا يرسم ابتسامة إعجاب على شفتي، كنت أعود من عملي مرهقة، أنام باكرًا لأتفاجأ في منتصف الليل بأن عيناي سئمت الرقاد فتفتحت على مصراعيها، أنفض النعاس، أمد يدي إلى مفتاح الإضاءة على منضدتي، أشعل الضوء، ثم أسبح في صفحات الكتاب إلى أن يعود النعاس أدراجه إلى عيني ثانيةً، وهذه تفاصيل الرحلة، أحمل الكتاب معي حيثما ولّيت وجهي، عندمَا أكون مع عائلتي ويداهمُ الصمت المجلس، أسترق اللحظات لأغوص في الكتاب، أشرب السطور بعطش، ثم أعود للواقع، أركب سيارة العمل مهرولة مسرعة، وما إن ترتد إلي أنفاسي حتى أغوص مرة أخرى في الكتاب، دون أن أشعر بسير السيارة.

“حياة في الإدارة”

“لم يكن هنالك قرار واحد فُرض علي فرضًا، لم يكُن هناك عمل قمت به وأنا معذب الضمير”


هكذا ببساطة لخص لنا غازي قواعد حياتية وإدارية، مبادئ قيّمة لا توجد في إنسان إلا ويرتقي بها، ومن الدروس التي تعلمتها في مسيرتي البسيطة في المجال المهني؛ أن يكون ارتباطك بالمبدأ أقوى وأشد وأمتن من ارتباطك بالكرسي أو المنصب، الكرسي يزول والمنصب يزول، ولكنّ المبدأ هو ما يتبقى لك ويرافقك بقية حياتك.

لا تهتمّ بالبروز على أكتاف غيرك، لا تلمّع عملك ليظهر بأفضل ما يكون دون أن تنظر لدقته وجودته الجوهرية، فالمظهر لا يغني عن الجوهر، والعملية تكاملية، ستهترئ القشرة الخارجية ولن يساعد على ثبات العمل سوى الجوهر الصلب القوي.
ليسَ من الخطأ أن تخطئ، ولكن الخطأ كل الخطأ ألّا تعترف بالخطأ، وألّا تجعله درسًا تتعلم منه.
رزقك لا يملكه أحد، ولقمة عيشك ليست في يد أحد يمدها إليك إن شاء ويمنعها عنك إن شاء، الرزق تكفّل به الرزاق، أما العمل فواجبٌ عليك العمل والبذل، وواجبٌ عليك صدق النية والإخلاص في العمل، وواجب عليك تجويد العطاء.

قال لي أحد الأشخاص يومًا: ” أنتِ عجولة، تفتقدين إلى الصبر، تريدين امتلاك كل شيء في ذات اللحظة، لا تنظري للمفقود حتى لا تفقدي الموجود”
كانت عيناي تنكران بشدة ما يقول، لكن دائمًا ما أبقي العبارات التي توجّه لي داخل رأسي، أمحصها مرةً واثنتين وثلاث، حتى أصل إلى الصواب، أو إلى ما هو أقرب إلى الصواب.
لم يمر على ذلك الحديث أكثر من أسبوعين حتى قالت لي صديقة العمل: “أنا وأنتِ لدينا ذات المشكلة، نريد لكل شيء أن يحدث فورًا، ينقصنا الصبر، نريد الكمال لكل شيء”.

تذكرت الآية:

“ولو أنهم صبروا حتى تخرج إليهم لكان خيرًا لهم”. الحجرات-آية٥

وأيضًا ذكر الدكتور غازي القصيبي -رحمه الله- في كتابه “حياة في الإدارة” موقفًا جعلني أمعن النظر في الأمر أكثر.

” اكتشف الأمير فهد منذ الشهور الأولى عنصرًا من عناصر شخصيتي كان يتمنى لو لم يوجد: الاندفاع الشديد. كان يقول، أحيانًا، في مجالسه الخاصة: “لو رُزق فلان بعض الصبر لكان إنسانًا مثاليًا”. قال لي أكثر من مرة: “لماذا أراك مشتطًا طيلة الوقت؟ عمل الحكومة لا ينتهي”. وقال لي مرة: “ارفق بنفسك. لو مت على المكتب ستعرف ماذا سيقول الناس؟ سيقولون: “مجنون قتل نفسه”. لو وُلدتُ صبورًا لكنت إنسانًا أفضل من جميع الوجود، ولكني كنت سأكون إنسانًا مختلفًا عن الإنسان الذي عرفه الأمير فهد وعرفه الناس.”

الإنسان الذي يملك طموحًا وأهدافًا لن تكون الحياة سهلة ومذللة لأجله، هذا ما تيقنت منه عندما واجهتني عقبات لم تكون بالحسبان، ولكن وكما ذكرت سابقًا، الذي اختارك لهذا المكان لا يكلفك إلا بما هو في استطاعتك، وكلما كان المكان الذي اخترت لأجله صعبًا دلّ ذلك على أنك تمتلك القدرة على مواجهته،

“مكان القيادة لا يُعطى بل يُنتزع بالطموح والإصرار، وبتلويث الساعدين بغبار المعضلات وتبليل القدمين بغبار الأزمات” -غازي القصيبي.

دائمًا ما أحرص على أهمية معرفة الإنسان لنقاط ضعفه، ذلك يمنحه فرصة كبيرة لتحويلها إلى نقاط قوة، بعكس الإنسان الذي لا يعرف نقاط ضعفه، ولا يريد التعرف عليها، لن يستطيع مواجهتها، ستظل تلك النقاط مكمن خلل في شخصيته، ستكون عقبة تعيق تقدمه.

“الإنسان الذي يعرف نقاط ضعفه يملك فرصةً حقيقة في تحويلها إلى نقاط قوة. على الذين لا يعرفون أن يستعينوا بلا تردد، بمن يعرفون” -حياة في الإدارة.

وذلك ما حاولت الحرص عليها منذ يومي الأول في مجالي المهني، لم أتوانى لحظة في التواصل مع الباحثين والمستشارين والمختصين، بالإضافة إلى زملاء العمل، المرحلة المهنية بالنسبة لي هي مرحلة تعلم وتطوير، لابد وأن تكون الاستشارة نهجًا ثابتًا، وأن يكون السؤال مفتاح للمعرفة، لا ينبغي الخشية من طرح الأسئلة، والمهم في كل ذلك أن ترتبط الأجوبة ببعضها، أن تكوّن في النهاية معرفة صحيحة وواضحة، أن لا تكون ناقصة.

وفي نهاية المقال، أختم بأن الحياة مضمار تجارب وتعلم، والمواقف هي الامتحان الذي تتعرض له، والفشل في المرة الأولى خير من النجاح في المحاولة الأولى، الفشل يعرّفك على احتمالات كثيرة ومتعددة للأمر، بعكس النجاح الذي لن يعرفك إلا على وجه واحد واحتمال واحد، قد ترضى به، ولكنه لن يعطيك أكثر من درس واحد، دائمًا بعد المواقف ابحث عن الدرس، واحفظه جيدًا.

حظًا سعيدًا يا أصدقاء.

مواضيع: غير مصنف | لا توجد تعليقات »

أسمِع العالم صوتك!

25 نوفمبر, 2018 بواسطة بُشرى المطَر

هل حدث وأن ارتعدَ فؤادك يومًا، هل مررت بتلك المشاعر المتماوجة ما بين تفاؤل ويأس، ما بين أملٍ وخيبة أمل، ثم وجدت في منتصف ذلك حدثًا أوقف كل الأصوات المخيفة التي تصرخ في داخلك، وأجاب على الأسئلة المحيرة في عقلك.
تطلعنا الدائم للمستقبل ربما يشكل هالة من الخوف تحيط بقراراتنا، وتجعلنا لا ننظر للوقت الراهن بقدر ما نمد أبصارنا إلى ما وراء الغيب “ماذا سيحدث بعد هذا؟”، هذا السؤال ربما يجعلنا نتخذ قراراتٍ خاطئة، أو نخاف من اتخاذ قرار صائب!
الخطأ الذي نقع فيه هو عدم اتخاذ أي قرار، خوفًا من المجهول، مع العلم أن ما نخاف حدوثه قد لا يحدث أبدًا، نحن بهذا نهدر طاقةً هائلة ونفقد جزءًا كبيرًا من قوتنا وقدرتنا على مواجهة الحياة.
قررت مؤخرًا كسر حاجز الخوف، والتركيز على ما يمليه العقل والحقائق دون توقع الفشل أو توقع حدوث شيء سيء، قررت أن أمشي بخطوات ثابتة وقوية، تيقنت بأن الأشياء التي نرغب في الحصول عليها سنحصل عليها إن نحن توجهنا لها بكامل الوعي والتركيز وباستعانة كاملة بالله تعالى.
كانت المرة الأولى التي أحضر فيها حدث TEDx، تخيّل أن تقضي ٦ ساعات متواصلة وأنت تستمع إلى تجارب نجاح وإلى حديث مليء بالتفاؤل، وبالأمل، بأن حلمك سهل المنال إن أنت عزمت وحاولت وكافحت، بأن الفشل الأول لا يعتبر نتيجة نهائية، في الحقيقة لا توجد نتيجة نهائية ما دمت تسعى وتبذل وتتعلم وتعمل، الفشل هو نهاية مرحلة وفي ذات الوقت هو بداية لمرحلة أخرى.
عقل الإنسان معجزة إلهية، وقد يحدث من الإنسان بجهله أن يقيد عقله ويحدد قدراته بطريقة تفكيره، قد يشعر أنه لن ينجح، لن يستطيع!
ما تمكن منه الآخرين ستتمكن منه أنت، لأنك بذات التكوين الإنساني، بذات العقل، الفروقات فقط في اليقين وفي الإيمان وفي الإصرار والعزيمة والهمة والصبر والمحاولة. الفروقات سلوكية وليست عقلية، الفروقات فروقات تفكير، فروقات بيئية، فروقات ليس بوسعها أن تسيطر على عقلك إن أنت لم تسمح لها بذلك.
لابد وأن نمر بعقبات وتحديات، ،كما يقول غازي القصيبي -رحمه الله- في كتابه -حياة في الإدارة-:

“الذين يعرفون فرحة الوصول لأعلى السلم هم الذين بدأوا من أسفله، الذين يبدؤون بأعلى السلم لن يكون أمامهم إلا النزول”.

اللذة تكمن في المرحلة التي نقاوم فيها ونبحث عن القرار الصحيح، وهذا تعريف الحياة بالنسبة لي، محاولة دائمة في البحث عن الصواب والتوصل إليه، الأعمال بالنيات، من يبحث عن التوفيق سيهتدي إليه، من يبحث عن الحق سيهتدي إليه، تلك سنة الحياة التي ابتدأت مع سيدنا إبراهيم -عليه السلام- عندما كانت الرغبة والنية صادقة وقوية لمعرفة الحق، فاهتدى إلى الدين القيم، الحق الذي شق طريقه من قلب سيدنا إبراهيم واستمر عبر القرون ولن ينتهي إلّا إلى الجزاء والثواب الأوفى.
تلك هي رسالتنا، البحث عن الحقيقة، وبقدر جهدك في البحث ستُسخر لك الأشياء لتجد ضالتك.
علينا مواجهة ما يخاف منه الآخرون، حين يعود الآخرين أدراجهم مهرولين وخائفين، تقدم أنت بثبات وقوة، واعلم بأن الله لا يعطي أصعب المعارك إلا لأقوى جنوده.

” أن على المرء أن يخطط لمستقبله بكل ما يملك من قوة، وأن يعرف في الوقت نفسه أن إرادة الله لا تخطيطه هي التي سترسم مسار هذا المستقبل”.
– حياة في الإدارة، غازي القصيبي.

لتتقدم إلى الأمام عليك أن تمتلك رؤية وهدف ورسالة خاصة بك، عليك أن تركز على ما تريده أنت، على رسالتك التي اخترتها لنفسك، مهما كانت الظروف، ستجد شيئًا تقاوم من أجله، ستصادف أشخاصًا يستصغرون عملك، يستصغرون حلمك، يشعرون بأنك تبالغ وكثيرًا في رؤيتك، ولكن عليك أن تعلم بأن هذه التحديات هي الوقود الذي ينبغي أن يشحن همتك، ينتظرك الكثيرون، ينظرون إليك، أنت هنا لمساعدتهم، لبذل إمكانياتك وقدراتك ليصبح هذا العالم أفضل مما يبدو عليه، وهذه رسالتنا، أن نسعى لنكون خير أمة، خير أمة بالعطاء بالبذل بالإحسان بالإخلاص.
رسالتك التي جعلتها في خدمة المجتمع، لا تقلل من شأنها ولا تسمح للآخرين أن يقللوا من شأنها، وأول خطوة لحمايتها هي السعي لتحقيقها، والسعي لنشرها، كُن قدوة بأخلاقك وبإنجازك وبأفعالك.
صادفت فتاة في أحد الملتقيات، الطاقة التي تشع من عينيها غمرتني، تحدثت بثقة عن هدفها وطموحها، رسالتها السامية في الحياة ألهمتني، قالت: “سأبذل جهدي لأطور نفسي في مجال الأعمال، حرصت على حضور كل الملتقيات والورش التي تساعدني، وأحب أن أخبرك بأنك إذا كنتِ مستعدة بنسبة ٧٠٪ ولم تبدئي فأنت متأخرة، ابدئي من الآن”
يُبهرني هؤلاء الأشخاص، يحملون مسؤولية مجتمعية تجاه كل فرد، ويسعون لنشر الإلهام، الذين تقطف من ألسنتهم أعذب الكلام، ومن أعينهم شعاع الطموح.

البداية هي الخطوة التي تحتاجها لتبدأ مشوار النجاح، قالت لي: “لا مانع بأن أفشل وأن أتعثر، لكني سأنهض وسأتعلم، أعلم بأن كل فشل سيكون في نهايته نجاح مشرق”. تحدثت بما في قلبي، يرسل الله إليك أشخاصًا لا تعلم لمَ اختاروك بين الزحام ليبدؤوا حديثهم هذا معك، تبدأ في صنع علاقات بأشخاص يشبهونك، أشخاص يحفزونك، أشخاص يلهمونك، هذه العناصر التي تحتاجها لتكمل مشوراك، أن تتواجد في الأماكن التي تنضح بهؤلاء الأشخاص، لعل أحدًا منهم يحمل إليك رسالة، لعل أحدًا منهم يبدأ خطوته الأولى بكلمة منك.

لن يهديك أحدًا مستقبلًا مشرق، لن يمهد لك الطريق، لن يمسك بيدك ويوجهك نحو المسار لصحيح، أنت الوحيد الذي ستفعل ذلك لنفسك، هم إشارات في طريقك، لوحات إرشادية، هم أصدقاء، هم إخوة، هم محبين، هم خيّرين، لكنهم لن يستطيعوا فعل شيء لم تستطع أنت فعله لنفسك.

لا تُسمعهم الصوت الذي يرغبون بسماعه، لا تردد الكلمات التي يرغبونها منك، أسمعهم الصوت الذي في داخلك أنت، اظهر بشخصيتك وبأفكارك وبعقلك، تلك هي بصمتك المتفردة، لا تجعل بصمتك تشبه شخصًا آخر، لأنك بذلك تلغي وجودك على هذه الأرض، تتحول إلى ظل، يزول بزوال الشيء، اتخذ لك حيزًا في هذا العالم، اصعد على منبر وأسمعهم صوتك، هذه رسالتك، هذا هدفك، هذه حياتك.

مواضيع: غير مصنف | 4 تعليقات »

الفراغ.. القاتل البطيء!

19 أبريل, 2018 بواسطة بُشرى المطَر

590de3836603ba1ab8085c96f12dcab3

 

الفراغ، القاتل البطيء الذي يُداهم حياة الكثيرين مسببًا لهم الإحباط والحزن الشديدين، وليس أي فراغ، أقصد بذلك الفراغ الذي يصحبه طموحات وأحلام وآمال معلّقة يقابلها تراخي وكسل وانتظار بشع ومميت، وكأنه حبل يلتف حول رقبة المصاب بداء الانتظار، يشد هذا الحبل أكثر فأكثر كلّما ارتفعت كمية الإحباط المصاحبة للانتظار، إلى أن يموت الشخص بالإكتئاب والحزن!

وصلني سؤال في إحدى الليالي على الخاص في الانستقرام، عن كيفية ملئ ساعات الفراغ التي طالت بسبب الانتظار والحزن على تأخر الوظيفة والزواج..إلى آخره.
وربما تلك الفتاة التي وعدتها بكتابة هذه التدوينة في هذا الشأن تنتظر ما سأكتبه، ربمَا كتبتُ لأجلها، ولأجلي ولأجل الكثيرات.

لا أستطيع أن أعدك أيها القارئ بحلول سحرية، ولا بوصفة سريعة المفعول، لأنك الشخص الأول الذي ينبغي أن يجد الوصفة والطريقة لمحاربة الفراغ، وللتخلص من المشاعر السلبية المُصاحبة له.
لكنّي سأدلي بدلوي، وبالطرق التي ساعدتني لكي أتغلّب على ذلك الشبح المُقيت (الفراغ).

أعتقد بأن السبب الرئيسي وراء شعور الفراغ هو: الكسل أولًا ، والإحباط ثانيًا، والذي يدعو لذلك هو تحديدك لقائمة معينة من الطموحات والأمنيات والأحلام، إن لم تتحقق تلك القائمة فإن الإحباط سيصيبك، وستشعرين بأن الفشل واليأس قد قاب قوسين أو أدنى من حياتك، وبأن دواعي البهجة والسعادة والفرح قد بدأت بالتلاشي، فتبدأين بإهمال نفسك، إهمال ذاتك من الداخل، وإهمال جسدك والذي يتضمن إهمال صحتك النفسة والجسدية، وإهمال مظهرك والعناية به، وإهمال عقلك وذاتك من تغذيتهما والعمل على تطويرهما!
فالبعض قد تجعل طموحها مقتصر على وظيفة معينة، إن لم تحصل على الوظيفة فإنها لن تستطيع مجابهة الحياة والعيش بسعادة، وأخرى قد تشعر بفراغ عاطفي تنتظر شريكًا يملأ ذلك الفراغ، ويمنحها السعادة التي تحلم بها، رُغم أن ذلك الشريك لن يأتي حاملًا بين يديه تاج السعادة ليتوجك به مدَى الحياة، فهو سيأتي ليُشاركك حياتك، حياتك التي اخترتها وصنعتها لنفسك، إن كانت سعيدة سيشاركك سعادتك، وإن كانت حزينة وتعيسة ومليئة بالرتابة والحزن فلن يستطيع تغييرها، وأخرى قد تربط سعادتها بمستوى مادي معين إن لم تصل إليه فإنها تعيش محبطة حزينة، وأصناف الأمنيات كثيرة!

بدايةً علينا التيقن دون شكٍ أو ريب أن الرزق سيسوقه الرزّاق إلينا، ربما ليس بالصورة التي نتخيلها، ربما على هيئاتٍ كثيرة ومتعدّدة، ربما نحن ننعمُ في الرزق ولكننا لا ننتبه له، لأننا علّقنا آمالنا وأعيننا على رزق آخر رأيناه لدى الآخرين!

قال تعالى:(ولا تمدنّ عينيك إلى ما متعنا به أزواجًا منهم زهرة الحياة الدّنيا لنفتنهم فيه ورزق ربّك خيرٌ وأبقى)
قال أبي بن كعب: من لم يعتزّ بعزاء الله تقطعت نفسه حسرات، ومن يتبع بصره فيما في أيدِ النّاس بطل حزنه، ومن ظن أن نعمة الله في مطعمه ومشربه وملبسه فقد قلّ علمه وحضر عذابه.

مراقبة ما عند الآخرين ومقارنته بما بين يديك، والحزن على فوات حظك ورزقك يُفاقم المشكلة، ويصيبك بالحزن والحسرة الباطلة، فالصحة إذا ارتبطت بالفراغ هي نعمةٌ كبيرة وعليك استغلالها بما ينفعك أولًا وينفع المجتمع ومن حولك ثانيًا، لا سيمَا أنكِ مسؤولة عن شبابك فيما أبليته، فالشباب لن يدوم، سيبلى وعليك استغنام فرصة الشباب حتى لا تشعري بالندم عند فوات الأوان، ومسؤولة عن عمرك فيما تفنينه، فالعمر فانٍ، وعليك استثماره ليعود عليك بخيري الدنيا والآخرة.

باعتقادي أن كثرة استخدام شبكات التواصل الاجتماعي دون أن يكون الدّاعي لذلك فائدةً مرجوّة يُفسد الكثير، وقد لفتتني تغريدة لإحدى المعروفات على شبكات التواصل الاجتماعي تقول فيها:

(متابعة حياة الآخرين جميلة عندما تكون لديك حياة تعيشها، لكن من السّام جدًّا أن تقضي حياتك متفرجًا دون أن يكون لديك حياة، املأ فراغك بالآخرين، لا تجعل فراغ الآخرين يملؤك)
– أروى العمراني

لامسني قولها ذاك، وشعرتُ بحقيقته، فعندما يكون لديك حياة خاصة تستمتعين بها لن تشعري بالفراغ أو المقارنة أو الحزن عند مشاهدتك لحياة الآخرين، ولكن عندمَا تراقبين حياة الآخرين وتجعلين حياتك مقابلةً لها وتبدأين في شن الحرب على ذاتك ونفسك وذلك بمقارنة ما ينقصك بما يمتلكون عندها تكونين قد حكمتي على نفسك وحياتك بالفشل، وحمّلتي نفسك فوق طاقتها.

استخدام الشبكة الاجتماعية بحاجة إلى ترشيد وتوجيه، إلى أن تتحصّن جيّدًا من أن تكون فريسة الشيطان بأن يبث سمّ الحسد والغيرة والإحباط والمقارنة السلبية في روحك وقلبك، فتفسد روحك، ويفسد عقلك وتفكيرك!
والأسلمُ في رأيي هي أن تصنعي في عالمك الخاص أشياء تحبّينها، أن تتعرفي على نفسك وترافقيها في أيامك، أن تكوني الصديق الأول لروحك، تعرفي مكنونات نفسك، ومداخل البهجة إلى روحك، فتكون أوقات فراغك استثمارًا لك، وأوقات عُزلتك أنيسةً لروحك حيث تتخففين من عبء الحياة وضجيجها وتسكنين إلى سلامك الداخلي.

والطرق إلى ذلك متعددة ويسيرة بإذن الله، إن عزمتِ على الخروج من قوقعة الحزن والإحباط، واستغلال فراغك بما ينفعك ويُسعدك:

  • – اكتشفي قدراتك ومواهبك ومهاراتك، واعملي على تطويرها وصقلها، فممارسة الهوايات التي تحبينها يوجد الشغف بداخلك، وإذا وُجد الشغف سيلوّن حياتك بألوانها الحقيقية، دون تعتيم أو تظليل.
  • – ممارسة المهارة التي لديك في مجالاتها، خصوصًا أن الانترنت يفتح لك المجال للكثير من الفرص والقنوات التعليمية التي ترفع من مستوى اتقانك للمهارة، فكثرة الممارسة تجعلك تتعرفين على أسلوبك الخاص بك، وتكتشفين نقاط قوتك، وستجدين مع الوقت أنك أصبحت أكثر ثقة بما تنتجين، ولربما مكّنك ذلك من تحويله إلى عمل خاص، أو توظيفه ليكون مصدر دخل لك، لاسيما مع وجود المنصات التعليمية التي تمكنك من حضور دورات وفصول دراسية تفتح لك مدارك كثيرة وآفاق واسعة من المعرفة منها: منصة رواق، ومنصة مهارة، ومنصة دروب…إلى آخره..
  • – التطوع في المراكز والجمعيات الخيرية والمؤسسات الغير ربحية، فالتطوع له أثر إيجابي على الفرد والمجتمع، بالإضافة إلى أنك تسعين إلى سد ثغرة في المجتمع، وإفادة غيرك، وتدريب النفس على العطاء دون مقابل، إضافةً إلى أثره الإيجابي على شخصك، من ناحية ممارسة مهارتك في بيئة حيّة، وتطوير مهاراتك كالتواصل الاجتماعي، وكسب العديد من العلاقات، وإبراز نفسك من خلال العمل الذي تقدمينه مما يجعل فرصة وصول الجهات إليك أكبر وبالتالي زيادة فرصة الحصول على عمل، مع التنويه والتأكيد على عدم إغفال أهمية النيّة الحسنة في أي عمل تقومين به، فالثواب معقود بالنية، قال -صلى الله عليه وسلم-: “إنما الأعمال بالنيّات ولكل امرئ ما نوى”.
  • – القراءة أسلوب حياة صحي، فتزويد العقل بالمعلومات، وممارسة القراءة بشكل يومي أو على الأقل مرة في الأسبوع، يمرّن العقل على الانفتاح للأفكار، وتقبل المجتمع، والتناغم مع الحياة والقدرة على فهم مجريات الأمور، وتحليل الصراعات، وتكوين خلفية ثقافية، واكتساب محصول لغويّ جيّد، ينعكس على خطاباتك وحديثك مع الآخرين والنقاشات التي تدور بينكم.
  • – الاندماج في بيئة إيجابية تجدين فيها متعة روحك، والتخلص من الأشخاص المحبطين والذين يسمّمون روحك بكثرة العتاب والإحباط الذي لا يتخلله حبّ وحرص ومساعدة، ومن ذلك أيضًا تنقية الأشخاص الذين تقومين بمتابعتهم على شبكات التواصل الاجتماعي، والتخلص من أولئك الذين يستعرضون مالديهم من نعم على سبيل المُفاخرة والاستعراض، ففي الوقت الحالي أصبح الجهاز المتنقل هو الرفيق الملاصق لك، منذُ أن تفتحي عينيك بداية اليوم إلى أن تغمضيها ليلًا، ومن المميت فعلًا أن الأشخاص الذين يرافقونك طيلة يومك هُم أشخاص بلا فائدة ولا محتوى هادف، وكل ما يعرضونه هو حياة الترف والرفاهية التي لا تعكس أي رسالة هادفة أو إيجابية، لذلك أول خطوة لتساعدي نفسك على التخلص من الإحباط هو التخلص من كل مَن يُشعرك بالإحباط سواء بشكلٍ مُباشر أو غير مباشر.
  • – لا بأس من طلب المساعدة من المقربين منك والديك وأخوتك وطلب الدعم منهم أيًّا كان نوع الدّعم، نفسي أو مادي أو معنوي، وإذا لم تستطيعين فهناك حسابات وجهات رسمية تقدم للفتيات الاستشارات الأسرية والاجتماعية.
  • – الخطوة الأولى هي الحل، ابدأي خطوتك الأولى لتحقيق الهدف الذي تريدينه، فإن كان هدفك الحصول على وظيفة فعليك بذل الأسباب للحصول عليها، معرفة متطلبات سوق العمل والحرص على اكتساب المهارة والمعرفة، والحرص على اكتمال المتطلبات من أوراق وسيرة ذاتية واضحة ومتكاملة، والبحث بالطرق الحديثة عن فرص العمل من خلال موقع طاقات وشبكة لينكد ان، وتطوير اللغة إن كانت ضعيفة لديك من خلال التعلم الذاتي عن طريق قنوات اليوتيوب التعليمية.
  • – الاهتمام بمظهرك، والاعتناء بجسدك، فلجسدك عليك حق، فرضاك عن مظهرك ينمّي رضاك الداخلي وانفتاحك على الحياة، والرضا يبدأ بتقبل تفاصيل جسدك التي لا تستطيعين تغييرها، رضاك عن الخالق في خلقته، واعتنائك بالجسد الذي هو أمانة لديك بأن تحرصين على تكوني في أحسن هيئة دون مبالغة، فمفاهيم الاعتناء بالجسد قد شوّهت وبالغ الكثير من الفتيات والكثير من مشاهير الشبكات الاجتماعية في إظهارها على أنها تحتاج إلى تكلفة مادية قد تصل إلى حد التبذير، بالإضافة إلى تعقيد الطرق والأساليب! وباعتقادي بأن المبالغة مذمومة ومُرهقة ولا تصل إلى نتائج كما يصورها البعض، يكفي بأن تحرصي على النظافة الشخصية وعلى ما أتت به السنة النبوية من توجيهات للنظافة الشخصية، بالإضافة إلى أسلوب الأكل الصحي، كأن تتجنبي الأكل فوق حاجتك لقوله -صلى الله عليه وسلم-: ” ما ملأ ابن آدم وعاء شر من بطنه”، وإذا كنتِ تواجهين مشكلة (الأكل العاطفي) كأن تفرغي طاقة الحزن أو الإحباط الذي لديك من خلال الإسراف في الأكل فعليك المبادرة بمساعدة نفسك على التخلص من هذه العادة، أو التوجه إلى مساعد نفسي لبدء علاج سلوكي، وباعتقادي بأن الأمر بيدك إن امتلكتِ إرادة وعزيمة على مساعدة نفسك.
  • – كتابة قائمة بالأشياء التي تُبهجك، والحرص على أن يكون محيطك نظيفًا مرتبًا يبعث على الراحة والسكينة والاسترخاء، فمن المستحيل أن تنطلقي لحل مشاكلك مالم تستطيعي البدء بترتيب سريرك وغرفتك ومحيطك ومنزلك، والتخلص من الفائض والأشياء الزائدة عن حاجتك، وجعل كل ما تقع عليه عينيك يبعث على السعادة والراحة، وتخصيص وقت للأشياء التي تحبين ممارستها، كمشاهدة فيلم وثائقي، أو فيلم يحمل قصة قيمة، وقراءة كتاب أو رواية ممتعة وتحمل فكرة مُدهشة تشدّ عقلك للتفكير والدخول إلى عالم آخر، وكتابة أفكارك وعرضها من خلال حسابك على انستقرام أو تويتر ومشاركة الآخرين الأفكار والمعلومات الجديدة، صنع طبق جديد ومثير لم يسبق لك تجربة صنعه وتقديمه لمن تحبّين، وتبادل الكلمات الطيّبة والمحفزة، فليس عليك تلقّيها فقط، بل عليك أن تمنحيها لمن يحتاجها، تلك الكلمات ستؤثر بك حين تشعرين بسعادة الطرف الآخر الذي تلقى تلك الكلمات.
  • – حضور الدورات والندوات واللقاءات والأمسيات التي تحدث في مدينتك ومتابعة الحسابات التي تُعلن عن الفعاليات الحديثة في المنطقة تجربة تستحق أن تخوضينها وتحرصي على التواجد في تلك الأماكن، لما لها من أثر كبير على نفسك وتفتح لك آفاق ومساحات للتفكير الإبداعي.

 

أتمنّى أن أكون قد وفّقت في مساعدتك ومساعدة الكثير من الفتيات اللاتي وقعن فريسة للفراغ، وتحتاج ربما إلى كلمات وتوجيهات بسيطة لتنفض غبار الكسل والتشاؤم والإحباط.
عليك أن تُدركي أنّنا جميعنَا وُجدنا على هذه الأرض لغاية وهدف عظيمين، ولا يليق بأحدنا أن يمرّ يومه رتيبًا دون بذل أو عمل وإن كان صغيرًا، فالنيّة الحسنة تعظّم العمل مهما كان صغيرًا، والاستعانة بالله أولًا وأخيرًا والدعاء الدائم بأن ينفع الله بك هو الطريقة الأولى ليُبصرك الله بنقاط القوة لديك ويمكّنك من استعمالها في أوجه الخير.
وأخيرًا أتمنّى أن تكوني في النهاية قد اكتشفتِ طريقك الذي يقودك إلى عالمِ الجدّ والإنجاز.
وسأسعد باستقبال رسائلكم وتعليقاتكم أسفل هذه التدوينة.

 

مواضيع: غير مصنف | 2 تعليقات »

« المواضيع السابقة