أتواجدُ هنا

اشترك الآن



قطوفُ الابتلاء

10 مارس, 2015 بواسطة بُشرى المطَر

unnamed


الحمدلله الذي ينيرُ لي الظلمة، ويكشفُ الغمّة، ويبصّرني بمواطن ضعفي لأظلّ في إستعانةٍ دائمةٍ به !

الحمدلله الذي وفّقني وجعل هذا الكتاب (نظرة النعيم) بين يديّ أقطف منه لذيذ الكلم، ليجبر به كسر نفسي، ويشفي وجع روحي.
الحمدُ له ما أنزلَ من بلاء إلا وله حكمة لايفطنُ لها إلا متبصّر.

فتلذّذوا معي بأقلّ ما أمكنني الخروج به من هذا الكتاب، كلمات تجلبُ الراحة والسكينة، وتريح الفؤاد المسكين، الذي أضناه جهله، وضلّ طريق الهُدى والنّور.

قد يبتلي الله الإنسان بالضراء أو الشرّ، لحكمةٍ يجهلهَا كثيرين، ولايوفّق لها إلا من رحمه الله، فقد يريد الله به اختبار الصدق في الإيمان، والصبر على الجهاد في سبيل الله.

وقد يُراد بهذا الابتلاء أن يمهّد للمُبتلى ويدرّبه على التمكين في الأرض وذلك يتضح جليًا في قصّة يوسف عليه السلام، لما أراد أن يمكّن له في الأرض، ابتلاه بأعظم الابتلاءات، فما أصعب من أن يتآمرَ أحبّ الناس إليك وأقربهم منك، وهم الإخوة الذين هم سندٌ وعونٌ في الرخاء والشدّة ليقتلوك، وما أصعب أن تزجّ في السجن مظلومًا فينساك النّاس والله لاينساك، كلّ ذلك تمهيدًا لملكٍ عظيم، ومكانةٍ رفيعة في الأرض، فما بالك بمكانتك ومنزلتك عند ربّ السماء والأرض، الملك الذي ما أنزل عليك من بلاء إلّا ليقرّبك منه ويرفع قدرك.

وقد يُبتلى بالمعاصي والسيئات، وهذا الابتلاء أول من ابتلي به أبو البشر آدم عليه السلام، لما أكل من الشجرة التي نهاه الله عنها.

وثمرة الابتلاء كما أشار ابن القيم الجوزية : لو لم تكُن التوبة أحبّ إلى الله لما ابتلى بالذنب أكرم المخلوقات (آدم عليه السلام) فالتوبة غاية كل كمال آدمي.

وقد يبتلي الله الإنسان بالسراء أو الخير فتنةً له وتمحيصًا، وذلك بأن يعطيه الله المال والجاه والعافية والمنصب والأولاد ليبتليه أيشكر أم يكفر بهذه النعم،فإن شكره سبب في زيادتها، وإن كفره سبب في طغيانه وكبره وعجبه وخيلائه .

وقد يبتلي الله الإنسان بالطاعات، ليشكر ربه على ماهداه إليه.

ولننظر إلى حكمة الله عزّ وجل في الابتلاء.

فمن أسماء الله -عزّ وجلّ- (الحكيم) فكل مايجري به قضاؤه وقدره لايخلو من الحكمة.

فالله ملك السماوات والأرض، وكل شيء بقضائه وقدره، فما من شيء يحدث من رخاء وشدة، وخوف وأمن، وصحّة ومرض، إلا بمشيئته.

كم من منحةٍ عظيمة ونعمة جسيمة تُجنى من قطوف الابتلاء والامتحان، كلّ ابتلاء ظاهره ابتلاء وباطنه رحمة عظيمة.

قال الشافعي -رحمه الله- يا أبا عبدالله، أيهما أفضل للرجل أن يمكّن أو يُبتلى؟ (أي بالضراء) فقال الشافعي : لايمكّن حتى يُبتلى، فإن الله تعالى ابتلى نوحًا وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمدًا -صلوات الله عليهم أجمعين- فلما صبروا على الابتلاء مكّنهم.

فالبلايا والمحن محكّ يكشف به عمّا في القلوب وتظهر به مكنونات الصدور. فما أعظم أن يبتليك الله بالمصيبة وبما تكره، ليرى تحمّلك بصبرٍ وصدق مع الله ورضى بقضائه وقدره، وهذا من أفضل الأعمال الصالحة التي يكتب الله بها أجرًا عظيمًا وثوابًا جزيلًا.

فهذه الضراء ليست خاتمة المطاف، فسرعان ماتنقشع وتزول.

وقد يكون هذا الابتلاء عقوبة عاجلة على ما اقترفه الإنسان من معاصي فتُعجل عقوبتها ليجعل فيها ردعًا وتحذيرًا وعبرةً، له ولغيره . وقد يعجل للمذنب عقوبته فتأتيه في الدنيا تخفيفًا عنه يوم القيامة.

فلنتفقّد أحوالنا في الابتلاء، أنحنُ مع الله! فإن كنّا مع الله فالله لن يضيّع عباده، وإن زادتنا بلايانا قربًا منه، ومحبّةً له، فما أعظمها من ثمرة، ولو لم نخرج من الدنيا بشيء سوى هذا القرب وهذه المعية من الله، وهذا الانشراح في الصدر، وتلك الدموع التي سُكبت في ليلٍ بهيم، في ضعفٍ وفقرٍ، وفي رجاءٍ شديد، لكانت والله سعادة في الدنيا تجرّ إلى سعادةٍ أبديّة في الآخرة.

فالإيمان ومايتبعه من احتساب، وتوكّل على الله، ورضا بقضائه وقدره، والذكر، وتلاوة القرآن، هي المسكّن الأول والعلاج لما ينتاب المبتلى بالضراء، فتنقذه من الهموم والقلق وتشتت عقله بتأثير الخوف من المستقبل وتبعد عنه الوساوس.

فكل مايصيبك من الله هو خير، فكيف يخاف العبد من الله جورًا أو ظلمًا وهو على سراط مستقيم ، حيث قال: ((ما مِنْ دَآبَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى سِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ)).

لذا كان على الإنسان أن يفوّض أمره لله، وأن لا يقنط من رحمة الله ، قال تعالى: (( وَمَنْ يَقْنَطُ مَنْ رَحْمَةِ رَبّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ))

والقنوط هو استبعاد الفرج واليأس منه! وهو ذنبٌ عظيم، لما في القنوط من سوء الظنّ بالله، وسوء الظنّ مجلسَة لغضب الله ولعنته، حيث يقول تعالى : (( الظَّآنِّينَ بِاللهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا)).
وهو من أكبر الكبائر .

فما أجمَل أن تلوذَ إلى مالك الملك، تشكوه ضعفكَ، وتسأله من فضله، فالله مدبّر أمرك، يصرّف الأقدار كيفما يشاء، بما تقتضيه رحمته وعلمه، وما أبشع من أن تسخط من أمرٍ قدّره الله لك، وأراد به خيرًا لك، أو صرف به شرًا عنك.

اسأل الله العظيم أن يوفّقنا دائمًا لما فيه صلاحنَا، وأن يلهمنا رشدَ أنفسنا ويقينَا شرّها، وييسّر لنا سبل الخير، ويعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته.

مواضيع: قصدُ السبيل | 2 تعليقات »

الشخصيّة المسلمة في العالم الرّقمي

23 أبريل, 2014 بواسطة بُشرى المطَر

image


كثير منّا يفرح حين يجد شخصًا يمثّله ، أو بالأحرى يمثّل كل مايؤمن به ، بالأخص حين يكون هذا الشخص يفوقه بمميزات ويعرفه الجميع ويثقون به ، يشعر بأنه وجد المرآة التي من الممكن أن يرى فيها نفسه مع مرور الوقت ، فنراه يحتذي حذوه ويثق برأيه ، لدرجة قد ينسى مبادئه التي وضعها لنفسه أو وضعها له دينه ويقوده ذلك الشخص إلى مبادئه هو وأفكاره .

لذلك نجد كثيرًا من الأشخاص وخصوصًا من هم في مرحلة المراهقة والشباب ينقادون بسرعة عجيبة ، تختلف اهتماماتهم بين عشيّة وضحاها ، بمجرد أن يتغير الشخص الذي كان قدوة لهم يتغيّرون هم تبعًا ذلك الشخص الذي يختارونه ليكونوا مثله !

ستضيع شخصياتهم بين التقمّص والتقليد ، لم نعد نرى شبابًا بشخصيّاتهم ، أصبحوا نسخًا مكرّرة من بعضهم البعض .

يظهرون في برامج التواصل الاجتماعي فلا تكاد تميّز بينهم ، يستخدمون الأسلوب ذاته ، الأدوات ذاتها ، يرتادون الأماكن ذاتها ، يعيشون الحياة ذاتها .

أصبح من النادر جدًا أن ترى شخصًا مميزًا يبتكر أسلوب حياة ثم يفعل الآخر مثله ولكن ليس بأن يكون نسخةً منه بل بأن يبتكر هو الآخر .

حسنًا السؤال : كيف يستطيع الانسان أن يعيش حياته هو دون أن يتقمص شخصيةً أخرى أو أن تضيع هويّته في هذا العالم الرقمي ؟

ببساطة : على الشخص أن يضع مبادئه وقيمه ، أن يعرف نفسه أولًا ، مميزاته ، يعرف ماهي الأشياء التي يجب عليه ألّا يتخلى عنها مهما كان الثمن ، أن يعرف ماهي الأشياء التي تنقصه فيأخذها ، وألا يتخلى عن الأشياء التي تميّزه في سبيل أن يصبح نسخةً مكررة !

أن يعرف أنه في البداية “مسلم” وهذه هويّة يجب ألّا ينسلخ منها ليصبح مقلّدًا ، أن يعرف ماهو الإسلام ، وماذا يعني أنه مسلم .

حين يكون الانسان مسلم “بالكلمة” فقط دون أن يبحر في محاسن الإسلام وماحفظه له الإسلام وماميّزه به الإسلام ، سيكون من السهل جدًا أن يناقض نفسه ويناقض دينه فيخرج رويدًا رويدًا من كل ما أوجبه عليه الإسلام !

لا أن يقول إسلامي بيني وبين ربي ، فهذا جهلٌ منه بدينه ، وجهلٌ منه بربه ، وجهلٌ منه بنفسه !

الإسلام عظيم جدًا ، ما اختار الله له الرسل ، وما قامت لأجله الفتوحات ، وما شرع الجهاد ، إلا لعظمة هذا الدين ، قارن نفسك أنت أيها الانسان الذي تتخلى عن مبادئك التي يحثك عليها الإسلام بضغطة زر في هذه البرامج بالأشخاص الذين يموتون من أجل هذا الإسلام ، بالأشخاص الذين عرفوا ربهم حقًا ، وعرفوا دينهم حقًا ، فجاهدوا وناضلوا ليبقى هذا الإسلام عظيمًا ، لا عجَب وقد قال الرسول الكريم : ( بدأ الإسلام غريبًا وسيعود غريبًا كما بدأ فطوبى للغرباء ).

أصبح الجميع إلا من رحم الله مقلّدين حتى بدينهم ، يحتفلون بأعيادهم وأعياد النصارى ، كيف يحدث هذا ؟ 

كيف يمكن لمسلم له دينه وله هوّيته وله قرآنه وله سنّته ، له كتابه الذي يوضح له كل مايشتبه عليه من أمر دينه فتأتي هذه الآية الكريمة ( وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا واتَّقُوا الله إنَّ اللهَ شَدِيدُ العِقَاب ) .

لا عجب حين نهجر القرآن ، ونتشبع بعادات الكفار ، ولا نعلم ما يأمرنا به إسلامنا سنصبح هكذا ( إمّعه ) !

نعم وبكل أسف ، فهل أتى عن النبي أنه احتفل بعيد من أعياد النصارى ؟ هل أتى عن أحد من أصحابه أنه فعل ذلك ، من التابعين ! 

من أهل العلم !  

من المؤكد بأننا أناس نحب الفرح ، أعلم أن الكثير سيقولون ليس لأننا نؤمن به ولكن من باب الفرح والسرور .

وأنا من ضمن أولئك الأشخاص كنتُ بجهلى وقلّة علمي وضعف ديني ، أحب أن أفرح ، أن أستقبل الهدايا ، وتقام لي المفاجآت ، ولكن هذا إلى ماذا يقودنا ؟ 

نحن نعلم ونتعلّم بأنه ليس من ديننا وأنها بدعه ! ولكن ابناءنا من يعلّمهم ذلك ، من يخبرهم بأن هذا الذي نقوم به لأجلهم ليس من ديننا ، بأن الذي نقوم به بدعة ابتدعناها ونأثم عليها !

نحن نجني على ابناءنا حين نقوم بمسخ هويّتهم ، حين نضيّع تعاليم دينهم ، حين نجعلهم يقومون بأفعال ليست في ديننا ، نربيهم تربية النصارى لأبنائهم ، نربيهم كما يربي الغرب ابناءهم ، ضانين بجهلنا أننا ننهض بهم ، بل نحن نرميهم في القاع ، والجرم الأكبر إن كنّا نرمي بهم في قاع جهنّم ونحن غافلين ! 

علينا أن نعرف أنفسنا ، من نحن ، من هو ربنا ؟ ومن هو نبينا ؟ وماهو ديننا ؟  هذه الأصول الثلاثة علينا أن نتعلّمها ، فهي ما سنسأل عنه في القبر ، هذه هويتنا ، هذه كنزنا ، هذه التي إن تعلّمناها وطبقناها ستوصلنا إلى سعادتنا الأبدية ، إلى حياة مخلّدة في نعيم مؤبد لا شقاء ولا تعاسة ولا حزن .

اسأل الله العظيم لي ولكلّ من يقرأ صلاحًا ونورًا يضيء لنا عتمة الجهل ، يخرجنا به من الظلمات إلى النور ، وأن يحفظنا ويحفظ من يأتون من بعدنا من مضلّات الفتن والأهواء وأعوذ به أن نشرك به شيئًا ونحن نعلم ونستغفره من كل مالا نعلم . 

مواضيع: قصدُ السبيل | لا توجد تعليقات »

حوار مع الطّفل .

15 أبريل, 2014 بواسطة بُشرى المطَر

 

 

image


رسالتي هذه إلى كل من أودع الله بين يديه قلبٌ ينبض براءة ، ويشعّ حبًا ، نيته بيضاء صافية ، وفطرته سليمة لم تدنسها بعد أهواء ولا شهوات ولا بدع ولا شبهات ولا معاصي .

لكل من رزقه الله بطفل أو طفلة ، ولكن هذا المربي يجهل دوره تجاه هذه القلوب الثمينة ، هذه العقول التي ينبغي أن تتغذى بالحقّ ، تتغذى بالتفكير حول حقائق هذا الكون ، تتغذى حتى تصبح قويةً في الحق ، تدفع عنها الشبهات ، وتزيد من قوة الدين . 

كنت في أشد الحيرة كيف سأبدأ مع الطفل حوارًا حول تعظيم الله ، وفي الحقيقة كان هذا موضوع التكليف الذي كان علي القيام به ، لربما أحصل على طريقة أتوسع بها أكثر من خلال الحوار إلى سرد حقائق كثيرة ، وأحاول أن أضع بذور التعظيم في قلب هذا الطفل ، والله سيتكفل به ، الله رزقنا فطرًا سوية نستدل بها عليه ، لذلك من المؤكد أن فطرة الطفل ستقوده إلى تعظيم الله .

من منكم يظن بأن الحوار مع الطفل سهل ؟ من يقول بأنه سهل هو لم يجرّبه ؟ خصوصا حين يتعلق الحوار بأمور الدين ، بالأخص حين تحاول أن تبني تعظيم الله في قلب هذا الطفل ، ستشعر بأنك تتعامل مع صفحة بيضاء ، تحرص كثيرًا على ألا تتسخ ، تحرص على ألا تخطيء ، لذلك من المهم على المربّي أن يتعلم جيدًا قبل أن يعلم طفله ، من المهم ألا يعطيه معلومات عشوائية ثم حين يطلب الطفل البرهان أو يسأل سؤالًا يحتاج إلى برهان يبدأ المربي بالتهرب من السؤال وخلق نوع من الشك لدى هذا الطفل .

من الواجب علينا أن نحافظ على ابنائنا ، على فطرهم ، على دينهم ، على عقائدهم ، هذه رعيتنا ، ونحن مسؤولون عنها ، ومحاسبون عليها . 

من خلال حضوري للمرحلة الثالثة لدورة الأستاذة: أناهيد السميري حفظها الله ونفع بعلمها بعنوان ( بناء قيمة التعظيم في نفوس ابنائنا ) ، تطرقت فيها لأمور مهمّة جدًا .

أن الله يسّر للخلق أسبابًا تقودهم للوصول إلى الإيمان به عزّ وجل ثمّ تعظيمه .

أول هذه الأسباب : الفطرة التي فطر الناس عليها ( وهي الخلقة التي خلق الله عز وجل الخلق عليها ) . 

الله لمّا أمرنا بالدين أعطانا الأسباب التي توصلنا لهذا الدين ، وأهم هذه الأسباب وأولها ( الفطرة )  

قال ابن عطية : ( الفطرة هي الخلقة والهيئة التي في نفس الانسان ، معدّة ومهيأة لأن يميز مصنوعات الله ويستدل على ربه ويعرف شرعه ) .*

والسبب الثاني : هو ماجعله الله من دلائل حولنا ، وماخلقه من آيات .  

وأن هذه الكائنات فيها علامة واحدة ، ودلالة على الله ، دلالة على قدرته ، ودلالة على زوالها وبقائه سبحانه وتعالى .

والسبب الثالث : انزال هذا الكتاب المرشد للعباد .   

فالقرآن العظيم ذكرى يرشد العباد على الكنز الدفين في فطرهم .

هجروا فطرتهم السوية التي فطرهم الله عليها ، هجروا كلام الله ، وهجروا الآيات التي هي الدلائل من حولهم ، فهبّت على البصائر ريح البدع ، والشبهات وعصفت بهم عواصف الآراء .

هذه المصابيح أطفأها الناس بالشهوات والشبهات والبدع ، فكأن هذا الانسان أغلق عن نفسه باب الرشد وأضاع مفتاحه ، فتجده يتنقل بين آراء الناس ، وأمراض الهوى والتعلق بغير الله . 

حين نبدأ الحوار مع الطفل ، علينا أن نكون واثقين أن الذي سنقوله والحوار الذي سأدخل به معه أكون على ثقه بأن الله عز وجل قد فطره على هذا الأمر والذي سيكون تذكيرًا مني له . 

إذًا البداية مع الطفل ، ستكون من خلال ( الفطرة ، والتأمل في الأكوان ، ودراسة القرآن ). 

سأخاطب فطرته بما هو موجود في الأكوان ، وبما هو موجود في القرآن ، فعلى ذلك نضع القاعدة التي يجب أن نسير عليها طوال عملية بناء التعظيم ، سأستعمل آية من القرآن تلفت نظره لشيء موجود في الكون .

أعرض عليه هذه الحقيقة وأحاوره .

حسنًا ، كيف ستكون طريقة الحوار  ؟  

سأستعمل طريقة الحوار التي استعملها الشيخ السعدي في كتاب البراهين العقلية .

حدوث الأشياء لها ثلاثة أقسام عقلية لايمكن أن تخرج عن هذا الشيء ، لما تنظر لكل شيء حولك العالم العلوي والسفلي :  

١- أن تكون هذه الأشياء حصلت بنفسها  

٢-  أو من غير موجد 

٣- أو أن هناك من أوجدها )

فكل مسألة سأناقشه فيها في خلق الله عز وجل سنقول له نحن أمام ثلاث اختيارات : إما أنها وجدت بدون موجد ، أو أنها فعلت نفسها بنفسها ، أم أن هناك من خلقها وأوجدها وأحدثها هناك من أبدعها .

فهذا الخطاب ليس فقط لمن أنكر إنما هو أسلوب في التفكير بحيث هذا الذي أربيه يبعد عن ذهنه المسألة الأولى والثانية ويستقر في قلبه المسألة الثالثة ، وأنا أريد لنفسي وله أن أدافع عن الحق ، ليس كعرض مسلّمات فقط .

مثال على ذلك : أن أقرأ أنا المربي في سورة النحل ، وأفهم تفسيرها ، وأعدد نعم الله التي ذكرها الله عز وجل في هذه السورة ، ثم أجمع المعلومات حول كيف وصلت إلينا هذه النعمة بتدبير من الله ، حتى يصبح لدي حقائق استطيع أن أعرضها على الطفل وألفت نظره إلى قدرة الله وعظمته . 

فهنا آية من سورة النحل ، نصنع منها حوارًا مع الطفل .

قال تعالى: ( خلق الإنسان من نطفةٍ فإذا هو خصيم مبين )   

تأمل فيما بين السماوات والأرض من مخلوقات ، أولها الإنسان ، وتأمل في أصل خلقة الإنسان ( النطفة )

النطفة كيف تنمو وترقى ، وتنتقل من طور إلى طور ، حتى تصبح بشرًا تامًا ، كامل الأعضاء الظاهرة والباطنة، عاقلًا متكلمًا ، ذا ذهن ورأي ، يخاصم ويجادل ، مغمور بنعم غزيرة .

١- فإما أن هذه النطفة التي نمت وتطورت حتى أصبحت بشرًا ، خُلقت بدون خالق ، ووجدت بدون موجد ، وانتقلت من طور إلى طور بدون مدبر ، محال أن يقبل عقل هذا الأمر ، العقل يجزم ببطلان أن يحدث هذا بدون محدث .

٢- وإما أن هذه النطفة هي التي خلقت نفسها ، وهي التي كونت نفسها ، ودبرت أمرها ، ونقلت نفسها في هذه المراحل ، وخلقت أعضاءها الظاهرة والباطنة ، وأصبحت بشرًا وأوجدت في نفسها العقل ، وعلمت نفسها التكلّم ، وهذا أيضًا مما لا يقبله العقل ، ويجزم بضرورة بطلانه ، ومن لديه أدنى عقل يجزم أن هذه النطفة لايمكن أن تخلق نفسها وتدبر أمورها حتى تصل إلى أن تصبح بشرًا تام الخلقة ولابد لها خالق ومحدث ومدبر .

٣- إذًا رفضنا لهذين الأمرين يتعيّن بأن هذه النطفة خلقها خالق وهو الله سبحانه وتعالى ، فلم يزل هذا الخالق يدبرها ويرقيها وينميها حتى صارت بشرًا تامًا كامل الأعضاء الظاهرة والباطنة ، وقد غمره الخالق بنعمه الغزيرة ،حتى استتم ، أن الله هو الخالق العظيم الذي أنشأ الآدمي من نطفة ، ثم لم يزل ينقله من طور إلى طور حتى صار عاقلًا متكلمًا ، ذا ذهن ورأي ، يخاصم ويجادل . 

علينا أن نتوسع في حوارنا مع الطفل ، أزيده من المعلومات بحيث أدرب هذا الطفل على التفكير ، هذا التفكير يجب أن يكون نقله نوعية في طريقة حديثي ، نحن نريد أن نعلمهم أسلوب التفكير لذلك علينا أن نطرح ماعندنا من حقائق بصورة صحيحة . 

سأعود إلى الحوار الذي حاولت صنعه مع أخي الصغير الذي لم يتجاوز العاشرة ، بدأت معه برغبتي في أن أشاهد فلمًا وثائقيًا عن الحيوانات ، حتى بدأ حماسه يشع من عينيه وهو يحدثني عن فلم للأفاعي ، بدا الأمر صعبًا في البداية فأنا لا أريد أن أخرج عمّا درسته في سورة النحل ، أريد أن أعرض له حقائق من خلال الآيات التي درستها وجهزت لها معلومات أدعم بها حواري معه ، فقمت أنا بعرض مقطع قصير عن ( الرحمة في الحيوانات ) لم تكن الأفكار مرتبة في عقلي ، كنت أفكر بأن أبدأ معه بأسئلة تلفت نظره ، ثم بعد ذلك أدخل معه في حوار . 

سألته : لماذا خلق الله الحيوانات ؟  

حين أجابني : لكي تسبح الله .  

وجدتها فرصةً للتعمق أكثر : وأيضًا ؟ هل خلقها فقط لتسبح ، ألا توجد غاية عظيمة من خلقها ؟ 

قال وبعد تفكير : خلقها لنا ، لكي نستفيد منها .

نعم ، هذا هو الجواب الذي لم أتوقع أن يتبادر إلى ذهنه ، فكما يبدو بأن لديه معلومات ، وأيضًا هو يفكّر ، اطمأننت لأن فطرته دلّته على هذا الأمر دون أن يتردد أو أن يشك في اجابته ، كان واثقًا جدًا بأن مايقوله حقيقة صحيحة .

حسنًا الأمر المدهش ، الذي ابهجني ، أنني حين أردت أن أبدي أن الأمر مهم أكثر مما يتصور : تخيل بأن هناك من يقول بأن هذه المخلوقات وجدت من غير موجد أو أنها هي أوجدت نفسها بنفسها !!

نظر بتعجب وبانكار شديد : غلط ! كيف وجدت بدون موجد ، لا يمكن هذا ، الله هو الذي خلقها .

حسنًا ، الطفل هنا فطرته سليمة ولله الحمد ، إذ أنه يؤمن بوجود الله ، ويؤمن بأن الله خلق الكون والمخلوقات .

شعرت بأن حواري معه ينبغي أن يكون حوارًا مع من هم أكبر منه ، لأني أعرض له حقائق يعرفها ، علي أن أحاول أن أوجد طريقة تشده أكثر وتلفته إلى حقائق أعمق .

: حسنًا ، كيف سترد على من يقول ذلك .

رد بصوت واثق : سأقول له انظر إلى الشمس القمر هل هي أوجدت نفسها ، أو انظر إلى نفسك هل انت وجدت هكذا بدون موجود ، وبأسلوب رائع قال ( يعني مثلًا انت نمت وصحيت ولقيت نفسك ؟! ) ، الله هو الذي خلقنا وأوجدنا . 

يا إلهي هذا الصغير قال كل ماكنت أريد قوله ، لقد اختصر الحوار بشكل عجيب ، إذًا هو لديه حقائق راسخة في ذهنه ، عليّ أن ألفت نظره لشيء آخر .

فتحت بسرعة مقطع لأسد يحاول حماية حيوان صغير يبدو في المقطع بأنه حمار إن لم يخب ظنّي ( سأرفق رابط المقطع ) بدأ يشاهد المقطع ، وعيناه تلمعان تعجبًا ودهشةً وإعجابًا بهذا الأسد الذي اتضح له بأن لديه من الرحمة الشيء الكثير لدرجة أن يحمي حيوانًا ضعيفًا بدلًا من يأكله ، كنت في هذه الأثناء أجهز حوارًا في سريعًا في رأسي .

فرحت عندما سألني ، وفكرت بأنها اللحظة المناسبة لألفت نظره لأمر مهم : كيف يرحم هذا الأسد هذا الحيوان ؟ مين اللي علمه ؟

ابتسمت وأجبته : أرأيت ، أنت تقول بأن الله خلق الحيوانات لنا ، لنأكل منها ونستفيد من جلودها واوبارها نتدفى بها من البرد ، وأيضًا لنشرب من لبنها وحليبها ، أيضًا الله خلقها لنستدل بها على الله . 

هذه الحيوانات لا تفكر بعقلها مثلنا نحن البشر ، ولكن الله هو من يسيّرها بحكمته وإرادته ، الله هو الذي جعل هذا الأسد يرحم هذا الحيوان ويدافع عنه ويحميه ، هذا يدلّنا على ماذا ؟

لمعت عيناه متشوقًا للإجابة .

: هذا يدلنا على رحمة الله ، كل شيء في هذا الكون يدلنا على الله ، الله خلق لنا العقل لنتفكر في كل ماهو حولنا حتى نتوصل إلى تعظيم الله ، لذلك حين نظرت إلى هذا المقطع سألت نفسك ، من علّمها ؟ الله يريدك أن تعلم أنه هو الذي خلق كل شيء ، يريدك أن تؤمن به ، لأنك حين تتعلم عن الله وتعظّمه ستعبده العبادة التي أمرنا بها .

سألته : أجبني ، كيف ستصلي وأنت لا تعلم لمن تصلي ؟ كيف ستعظم الله وأنت لا تعلم عن صفاته ؟ 

ابتسم في خجل .

: أرأيت ، حين نفكر بأن الصلاة أمر عظيم ، وأننا لكي نشكر الله على نعمه ، ونعبده كما أمرنا ، علينا أن نعظم الله ونتعلم عنه ونتفكر في مخلوقاته حتى نزداد إيمانًا ، ونؤدي ما أمرنا الله به كما أمرنا ، ليس أن ننشغل بأشياء تافهة ، ثم حين نلقى الله ويسألنا ماذا فعلتم في الحياة الدنيا التي أوجدت لكم فيها كل شيء ، وأنعمت فيها عليكم بالنعم الكثيرة ، ولكنكم لم تشكرون ، ولم تعبدون ، وانشغلتم بما خلقته لكم لكي تعبدوني ، بأن تعصوني به . 

أحسست بأني عرضت أشياء كثيرة في حواري معه ، وأن عليه أن يفكر ، ولابد أن يظهر تأثير هذا الحوار على أفعاله . 

ختمت الحوار ، بأهمية الصلاة . 

كانت هذه البداية معه ، لكن علي وعليك قارئي العزيز ، أن نستمر في محاورة ابنائنا ،  أن تشعر بأهمية الأمر ، أن تبذل جهدًا في أن تنقذ أبناءك من ظلام الفتن التي بدأت تكثر من حولنا ، وتبعده عن المغريات بأن تثبت فيه أصول الدين .

يقول الشيخ بن عثيمين ( أن مالنا نخشى عليه من اللصوص فنخبئه ، فمالنا لا نخشى على ابنائنا من السارقين ممن يسرقون عقيدتهم وسلوكهم  )

نحن الذين عظمنا المال والمكانة والدراسة ، هذا الذي فعلناه نذوقه الآن .

الأمر يحتاج إلى جهد ، بناء التعظيم كالماء الذي يتسرب إلى الأرض ، نحن لا نرى الماء بعد أن نصبه ، لكن الأرض تتشربه ، كذلك التعظيم حين نصبه في قلوب ابنائنا لانراه ولكن قلوبهم تتشربه لأنها عطشى .

رابط المقطع ( هُنا )    

مواضيع: قصدُ السبيل | لا توجد تعليقات »

« المواضيع السابقة المواضيع اللاحقة »