أتواجدُ هنا

اشترك الآن



قطوفُ الابتلاء

10 مارس, 2015 بواسطة بُشرى المطَر

unnamed


الحمدلله الذي ينيرُ لي الظلمة، ويكشفُ الغمّة، ويبصّرني بمواطن ضعفي لأظلّ في إستعانةٍ دائمةٍ به !

الحمدلله الذي وفّقني وجعل هذا الكتاب (نظرة النعيم) بين يديّ أقطف منه لذيذ الكلم، ليجبر به كسر نفسي، ويشفي وجع روحي.
الحمدُ له ما أنزلَ من بلاء إلا وله حكمة لايفطنُ لها إلا متبصّر.

فتلذّذوا معي بأقلّ ما أمكنني الخروج به من هذا الكتاب، كلمات تجلبُ الراحة والسكينة، وتريح الفؤاد المسكين، الذي أضناه جهله، وضلّ طريق الهُدى والنّور.

قد يبتلي الله الإنسان بالضراء أو الشرّ، لحكمةٍ يجهلهَا كثيرين، ولايوفّق لها إلا من رحمه الله، فقد يريد الله به اختبار الصدق في الإيمان، والصبر على الجهاد في سبيل الله.

وقد يُراد بهذا الابتلاء أن يمهّد للمُبتلى ويدرّبه على التمكين في الأرض وذلك يتضح جليًا في قصّة يوسف عليه السلام، لما أراد أن يمكّن له في الأرض، ابتلاه بأعظم الابتلاءات، فما أصعب من أن يتآمرَ أحبّ الناس إليك وأقربهم منك، وهم الإخوة الذين هم سندٌ وعونٌ في الرخاء والشدّة ليقتلوك، وما أصعب أن تزجّ في السجن مظلومًا فينساك النّاس والله لاينساك، كلّ ذلك تمهيدًا لملكٍ عظيم، ومكانةٍ رفيعة في الأرض، فما بالك بمكانتك ومنزلتك عند ربّ السماء والأرض، الملك الذي ما أنزل عليك من بلاء إلّا ليقرّبك منه ويرفع قدرك.

وقد يُبتلى بالمعاصي والسيئات، وهذا الابتلاء أول من ابتلي به أبو البشر آدم عليه السلام، لما أكل من الشجرة التي نهاه الله عنها.

وثمرة الابتلاء كما أشار ابن القيم الجوزية : لو لم تكُن التوبة أحبّ إلى الله لما ابتلى بالذنب أكرم المخلوقات (آدم عليه السلام) فالتوبة غاية كل كمال آدمي.

وقد يبتلي الله الإنسان بالسراء أو الخير فتنةً له وتمحيصًا، وذلك بأن يعطيه الله المال والجاه والعافية والمنصب والأولاد ليبتليه أيشكر أم يكفر بهذه النعم،فإن شكره سبب في زيادتها، وإن كفره سبب في طغيانه وكبره وعجبه وخيلائه .

وقد يبتلي الله الإنسان بالطاعات، ليشكر ربه على ماهداه إليه.

ولننظر إلى حكمة الله عزّ وجل في الابتلاء.

فمن أسماء الله -عزّ وجلّ- (الحكيم) فكل مايجري به قضاؤه وقدره لايخلو من الحكمة.

فالله ملك السماوات والأرض، وكل شيء بقضائه وقدره، فما من شيء يحدث من رخاء وشدة، وخوف وأمن، وصحّة ومرض، إلا بمشيئته.

كم من منحةٍ عظيمة ونعمة جسيمة تُجنى من قطوف الابتلاء والامتحان، كلّ ابتلاء ظاهره ابتلاء وباطنه رحمة عظيمة.

قال الشافعي -رحمه الله- يا أبا عبدالله، أيهما أفضل للرجل أن يمكّن أو يُبتلى؟ (أي بالضراء) فقال الشافعي : لايمكّن حتى يُبتلى، فإن الله تعالى ابتلى نوحًا وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمدًا -صلوات الله عليهم أجمعين- فلما صبروا على الابتلاء مكّنهم.

فالبلايا والمحن محكّ يكشف به عمّا في القلوب وتظهر به مكنونات الصدور. فما أعظم أن يبتليك الله بالمصيبة وبما تكره، ليرى تحمّلك بصبرٍ وصدق مع الله ورضى بقضائه وقدره، وهذا من أفضل الأعمال الصالحة التي يكتب الله بها أجرًا عظيمًا وثوابًا جزيلًا.

فهذه الضراء ليست خاتمة المطاف، فسرعان ماتنقشع وتزول.

وقد يكون هذا الابتلاء عقوبة عاجلة على ما اقترفه الإنسان من معاصي فتُعجل عقوبتها ليجعل فيها ردعًا وتحذيرًا وعبرةً، له ولغيره . وقد يعجل للمذنب عقوبته فتأتيه في الدنيا تخفيفًا عنه يوم القيامة.

فلنتفقّد أحوالنا في الابتلاء، أنحنُ مع الله! فإن كنّا مع الله فالله لن يضيّع عباده، وإن زادتنا بلايانا قربًا منه، ومحبّةً له، فما أعظمها من ثمرة، ولو لم نخرج من الدنيا بشيء سوى هذا القرب وهذه المعية من الله، وهذا الانشراح في الصدر، وتلك الدموع التي سُكبت في ليلٍ بهيم، في ضعفٍ وفقرٍ، وفي رجاءٍ شديد، لكانت والله سعادة في الدنيا تجرّ إلى سعادةٍ أبديّة في الآخرة.

فالإيمان ومايتبعه من احتساب، وتوكّل على الله، ورضا بقضائه وقدره، والذكر، وتلاوة القرآن، هي المسكّن الأول والعلاج لما ينتاب المبتلى بالضراء، فتنقذه من الهموم والقلق وتشتت عقله بتأثير الخوف من المستقبل وتبعد عنه الوساوس.

فكل مايصيبك من الله هو خير، فكيف يخاف العبد من الله جورًا أو ظلمًا وهو على سراط مستقيم ، حيث قال: ((ما مِنْ دَآبَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى سِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ)).

لذا كان على الإنسان أن يفوّض أمره لله، وأن لا يقنط من رحمة الله ، قال تعالى: (( وَمَنْ يَقْنَطُ مَنْ رَحْمَةِ رَبّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ))

والقنوط هو استبعاد الفرج واليأس منه! وهو ذنبٌ عظيم، لما في القنوط من سوء الظنّ بالله، وسوء الظنّ مجلسَة لغضب الله ولعنته، حيث يقول تعالى : (( الظَّآنِّينَ بِاللهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا)).
وهو من أكبر الكبائر .

فما أجمَل أن تلوذَ إلى مالك الملك، تشكوه ضعفكَ، وتسأله من فضله، فالله مدبّر أمرك، يصرّف الأقدار كيفما يشاء، بما تقتضيه رحمته وعلمه، وما أبشع من أن تسخط من أمرٍ قدّره الله لك، وأراد به خيرًا لك، أو صرف به شرًا عنك.

اسأل الله العظيم أن يوفّقنا دائمًا لما فيه صلاحنَا، وأن يلهمنا رشدَ أنفسنا ويقينَا شرّها، وييسّر لنا سبل الخير، ويعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته.

مواضيع: قصدُ السبيل | 2 تعليقات »

2 تعليقات

  1. Zz.a :

    كلمات رائعه بحق ، بورك حرفٌ خطها ووضعها بين أيدينا

  2. بورك فيك، تصحيح الآية (صراط) :

    بورك فيك، تصحيح الآية (صراط)

اكتب تعليقاً