أتواجدُ هنا

اشترك الآن



كُن مُحسنًا

20 نوفمبر, 2015 بواسطة بُشرى المطَر

6a1fa973b2cf33554fa8fbfaafd66df4


حين تصبح لدينا قيم عُليا، وأهداف سامية، سنستطيع أن نضع النقاط على الحروف، ونميّز الحسن من القبيح.
حين يصبح الصدق صدقًا بمعناه الصحيح، فنكون صادقين في مشاعرنا، وفي أقوالنا، وفي أفعالنا، تصبح هذه القيمة مغروسة بأنفسنا، ولايضرّنا ماهو فعل الآخرين تجاهها، إن كذّبوا فلأنفسهم، وليس علينا مقابلة الكذب بالكذب.
حين نلتمس العذر للآخرين ونحسن الظن بهم، مهما كانت تصرفاتهم سيئة، ومهما بدر منهم، فنحن نلتمس لهم سبعين عذرًا، لعلّه ولعلّه ولعلّه حتى يذهب الغلّ من النفس.
فطبيعتنا نحنُ البشر أن نحبّ من يحسن إلينا، ونبغض من يُسيء إلينا، ولكن لكي يسمو الإنسان عليه أن يقابل الإحسان بالإحسان، والإساءة بالإحسان أيضًا.
هنالك الكثير من القيم الرائعة، لايستطيع الإنسان الوصول إليها بدون استعانة بالله، وتعلّم، ومُمارسة، هذا الأمر يحتاج أن يكون هدف حياة، ورسالة سامية نصل لها ونوصلها لغيرنا.
حينما تحاول جاهدًا أن تتمسك بالقيم السّامية، وتجاهد أن لاتفقد تلك القيم مفهومها الحقيقي، في حين أن مفهوم الناس للقيمة قد اختلف أو بالأحرى تشوّه!
مثلًا التضحية بمفهومها الرّائع، حين نحرص على التخلّق بها، ونشرها، والحثّ عليها، سيصبح لدينا مجتمعٌ يسوده الإخاء والعطاء والحب والودّ، سينتج لدينا مجتمعٌ متماسكٌ بكلّ تأكيد.
ولكن الحاصل أن التضحية أصبحت في نظر الكثيرين غباء وسذاجة، وعطاء بلا مقابل، وصفة يجب التخلص منها؛ أنها تعيق الإنسان عن التقدّم، وهذه النظرة لم تأتِ من فراغ، في حين أن شخصًا يضحي ثمّ يُصدم بردّة فعل الآخر تجاه تضحيته، فيجعل نفسه مخطئًا بتضحيته، ويحمل نفسه ذنبًا لم يرتكبه، وقد يتخلّى عن التضحية في المرة القادمة بسبب هذا الآخر الذي تعامل مع تضحيته بعدم مسؤولية، وتصرف تصرفًا طائشًا وارتكب ذنبًا فادحًا تجاه مامُنح له.
فعندما نتحمل أخطاء الآخرين، سنخلق من أنفسنا أناسًا مذنبين رغم أننا لسنا كذلك، وننبش في تصرفاتنا التي كان دافعها الخير والتضحية باحثين عن خطأ نجلد به أنفسنا وإن لم يكن هنالك خطأ!
أصبح لدينا خلط بين أخطائنا وأفعالنا السامية، فنحن حين نربط أفعالنا السامية بردود فعل الآخرين ذلك الخطأ بعينه؛ لأننا بذلك نحاول أن نبدو رائعين في نظر الآخرين، ونبحث عمّا يرضيهم، ونجهل أنّه في أي فعل سامٍ نقوم به يجب أن يكون هنالك (إخلاص) لله سبحانه وتعالى، واحتساب للأجر؛ فالإخلاص يقوّي القلب، ويجعله يقاوم سوء الآخرين، فالقلب عندما يرتبط بالله، ويصبح كل عمل -وإن كان صغيرًا- خالصًا لله، فلن يؤثر فيه مدحٌ ولا ذمّ، ولن يقدح فيه رأي إنسان.
كم من شخص يبرّر تغيره للأسوأ بقوله: ( أنا مررت بمواقف سيئة جعلتني أحب نفسي كثيرًا وأقدم مصلحتها على الآخرين فلا أحد سيحبني أكثر من نفسي!) ثمّ يتحول إلى شخص بشع الصفات، وعدائي الطباع، تتحوّل صفاته الحسنة إلى قبيحة، فلا يلتمس عذرًا لأحد، ولايحسن ظنًا، ولا يصدق قولًا، ولايثق بأحد خوفًا من أن يُكسر قلبه، وذلك بسبب تشويه مفهوم قيمة سامية وهي (التضحية) إلى مفهوم آخر وهو التنازل بغباء، وأرى أن ذلك يعود إلى ثقافة دخلت على مجتمعنا من خلال الكتب المترجمة التي نقلت لنا ثقافة خاطئة ولاتتناسب مع قيمنا كمسلمين، تدعو الانسان إلى أن يحب نفسه، ويقدّم ذاته على كل أحد، دون إدراك قيمة العلاقات الاجتماعية التي تربط المجتمع المسلم ببعضه، فالتضحية أساس ترابط العلاقات، واستقراراها، بعيدًا عن الأنانية وحب الذات.
وبسبب التشويش الحاصل الآن، ومصادر المعلومات المختلفة، أصبحنا نشكّ في كل مصدر، هل هو صحيح؟ أم أنه مجرّد (فلسفة) لاتهدف إلى إصلاح مجتمعنا؟!
ولكن لو حرص كلّ شخص في المجتمع على أن يكون لديه مصدرٌ ثابتٌ وهو التمسك بسنة النبي الكريم عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم، لن يضلّ في الحياة إن استند عليها وتمسّك بها، فيكون هذا المصدر سراجًا منيرًا يستدلّ به في علاقاته الاجتماعية، ويتخلص به من شكّه في صحة مسلكه، يكون له زادًا، ويزداد به يقينًا أنه على صواب، وإن أشعره الناس أنه على ضلال؛ لأن البشر سيجعلونك تشكّ في صحّة فعلك إن خالفت هواهم!
ولا أسمى من أن تكون قدوتك في هذه الحياة، إنسان ضحّى بنفسه وروحه ومايملك من أجل أن يوصلك إلى دار السلام، ضحّى في حياته ليترك لنا سيرته المليئة بالمواقف المؤثرة التي تُهذب النفس الإنسانية، وتجرّدها من الأنا التي تُفسد قيمها وتشوّه أخلاقها وتفكّك ترابطها في المجتمع.
لذلك كل شخص في المجتمع مسؤول عن نفسه بإصلاحها وتزكيتها، عليه أن يتحلّى بكلّ قيمة تُسهم في رقيّه، وتحسّن من نفسه، وتهذّب من طباعه، وألّا يجعل رأي الآخرين وأفعالهم السيئة تفسد عليه أعماله الحسنة، وقيمه المثلى، وبالتالي إن أصلح نفسه وارتقى بها، فإنه سيخطو خطواته لإصلاح مجتمعه، فمن صلاح النفس بذل الجهد في صلاح النّاس.
ومن قول ابن مسعود رضي الله عنه:( من كان مستنًا فليستن بمن قد مات، فإنّ الحيّ لا تؤمن عليه الفتنة، أولئك أصحاب محمد -صلى الله عليه وسلم- كانوا أفضل هذه الأمة: أبرّها قلوبًا، وأعمقها علمًا، وأقلّها تكلفًا، اختارهم الله لصحبة نبيّه، ولإقامة دينه، فاعرفوا لهم فضلهم، واتبعوهم على أثرهم، وتمسّكوا بما استطعتم من أخلاقهم وسيرهم، فإنهم كانوا على الهدى المستقيم).
فالاقتداء بمن سبقنا من أهل العلم، الذين هداهم الله إلى صراط مستقيم، لايعني أبدًا التخلّف أو الرجعيّة، بل هو الرقيّ بمعناه الحقيقي؛ فنحن نتحلّى بالقيمة بمفهومها الثابت، فالطريق الصحيح واحد، لايهمّ زمن السالكين فيه.

مواضيع: قصدُ السبيل | 4 تعليقات »

4 تعليقات

  1. جولزا :

    السلام عليكم و رحمة الله

    اهلين بشرى

    جميل جداً ما خطته أناملك هنا ، حقيقة هذا ما كان يجول في خاطري كتبتي وصغتي كل ما في نفسي و أكثر ، نظرة الناس للعطاء و التسامح و القيم الجميله من بذل وايثار اصبحت نظره غريبه و خاطئه ، و لكتب تطوير الذات أثر كبير على تغير فكرة المجتمع للعطاء و تصور البعض ان الانانيه المحض هي من اسس تقدير الذات ، و أنا هنا لا انكر أن لتقدير الذات اهميتها في حياة كل فرد و لكن ديننا علمنا الاعتدال دائماً في كل جوانب حياتنا فلا افراط و لاتفريط . لنعط لكل ذي حق حقه ، حتى انفسنا وذواتنا نعطيها حقها من كل شي بلا مبالغة مقيته .. الكلام في هذا يطول و تدوينتك شملة جوانب عميقه وجميله بإختصار ، اشكرك حقاً و سعيده بمروري من هُنا .

    في أمان الله .

  2. بُشرى المطَر :

    سُعدت بتعليقك، أهلًا بك.

  3. jumanae :

    مقالُك هذا يا بُشرى كان كالمطر على قلبي.. بارك الله لكِ هذا القلم . اشتقت حقًا أن أقرأ لشخصٍ يدعو لسيرة حبيبنا محمد عليه أفضل الصلاة والسلام بدلًا من الدعوة لكتاب لا ينفع ولا يضر. أجمل مايمّز حرفك أنه نم عن تجربة حقيقية ووصف لأحداث نعيشها كل يوم وننزعج منها. مدونتكِ رائعة استمري.

  4. بُشرى المطَر :

    أهلًا بك جمانة، اللهم آمين.. الله ينفع بنا..

اكتب تعليقاً