أتواجدُ هنا

اشترك الآن



الجَانب المُشرق

7 فبراير, 2014 بواسطة بُشرى المطَر

 

 

   

 

 

كيف يستطيعُ الإنسان أن يتذكر دائمًا بأن هنالك جانبان للحياة ، كيف يستطيع أن ينظر إلى الضفّة الأخرى ويدع عيناه عليها دائمًا بالرغم من أنه ليس موجودًا بها .

كيف عندمَا يكون الشخص منّا في حالة حزن يفُكر بالفرح ، كيف حينَ يكون في حالة رخاء ويفكّر بالشدة ، كيف حين يكون في صحةٍ جيّدة ويفكر بالمرض !

كان هذا حالي  مُذ خرجتُ من المشفى ، ومُنذ أن بدأت استعيد صحّتي وعافيتي ، كنتُ أتشبّثُ بتلك الأوقات التي بدأت تصبح ذكرى ، تصبح شيئًا من الماضي ، كلّما تعمّق فيني شعور العودة إلى الحياة الطبيعية ، أشعر بعُقدة الذنب ، أخشى أن أنسى كيف كنتُ ضعيفة ، أخشى أن أنسى كيف كنتُ أرجو الله وأدعوه برجاء شديد وبتذلّل ، أخشى وأستحي أن يغلبني الشيطان فيُنسيني ضعفي ، أن أعود لما كنتُ عليه من ضياع ، كلّما طاب لي جانبٌ من الحياة أحاول أن أتذكر ذلك السرير ، والأضواء المُطفأة ، ونورٌ من خلف الستار يحملُ أنينًا لا ينقطع ، ونداءٌ مستمرّ ( ربّ ارحمني .. ربّ ارحمني .. ارحمني يالله ) !

نعم .. !

هذا الجانب ، الذي كلّ مافيه ( الله ) ، كلّ مافيه ضعفاء يتذلّلون لله ، كلّ مافيه نداءٌ لا ينقطع ، كلّ مافيه استعانة بالله ، وتوكّل عليه ، وإنابةٌ وتوبةٌ ودعاء .

هذا الجانب الذي زرته زيارةً سريعة ، أراني الله فيه أننا محتاجين إليه ، عاجزين دونه ، في حاجة دائمة إلى معيته ، الجانب الذي رأيتُ فيه كل معنىً للرجاء ، ذلك الرجاء الشديد الذي يجعلني أقطعُ الأمل في كل شيء إلا الله .

حينَ آوي إلى فراشي ، أمسك جهاز التكييف وأهمّ بتشغيله ، يبدأ صوت جهاز ( المغذّي ) بالطنين في أذني ، أتذكره .. فيطيرُ النّوم من عينيّ ، وأبدأ في الولوج إلى تلك الذكريات .

عندما يبتلي الله عبدًا بمصيبةٍ فإنّ في ذلك حكمةً منه يجهلها هذا العبد الضعيف، وعليه أن يُفتش عن حكمة الله فيما أصابه لا أن يقنط ويسخط ويتذمّر ، عندما ابتلاني الله كان هذا الابتلاء من أعظم المنَح التي لو سجدتُ عمري كله ما أديتُ شكرها ( أسأل الله أن يعينني على ذكره وشكره وحسن عبادته ) ، علّمتني دروسًا كثيرة ، أن الله لا ينزلُ مصيبةً إلا ويربط على قلبِ عبده ، سبحانه كيف أن رحمته تسبق كل شيء ، سبحانه كيف أن رحمته وسعت كل شيء ، فقد سخّر لي من الناس من لا ولم يخطر لي على بال ، يدعون لي ويتصدقون عني ويقومون الليل يطلبون من الله أن يشفيني ، حتى أني من فرط سعادتي نسيتُ ما أنا فيه من همّ وحزن .

تلك الابتسامات والكلمات والدعوات التي تُطفيء تقطيبةَ جبيني ، وترسم الابتسامة على وجهي ، كنتُ في حقيقة الأمر لا أرى حولي ( وجوه ) إنما ( قلوب ) تنبض بالحب وبالود ، الحُب الذي لم يعد الناس يعرفونه في زمن المظاهر ، الحُب الذي تُظهره المواقف ، وليست أي مواقف ، المواقف الصعبة التي لايظهر فيها إلّا الصاحب المُحب المُخلص الذي يبتغي من حبه رضا الله ، الذي يقربّك بحبّه إلى الله ، الذي يُذكّرك حبه بالله ، الذي يحثّك بحبه أن تدعو الله ، الذي يُدخلك الله بهذا الحُب الجنّة ، الحُب الذي تستظلّ به تحت عرش الرحمن .

ومن عظيم رحمة الله بي ، أن منّ علي بحضور أحد دورات الأستاذة الفاضلة أ. أناهيد السميري ، عن تعظيم الله ، في الوقت الذي كنتُ فيه في أمس الحاجة لما يزيد تعلّقي بالله ، شعرتُ بأن الله يرسل لي كلّ مايربط على قلبي ، بأن الله يُرشدني ، كلما أوشكت على فقد الأمل وبدأتُ في حالة يأس يُرسل الله لي من يُذكرني بعظيم الأجر والثواب ، فكأنما أستعيدُ قوّتي من جديد .

لا أنسى تلك اللحظة التي كنتُ في بداية مرضي ، لا أنسى ذلك الحديث الذي أثار شجوني ، ولم أتمالك نفسي من البكاء : أن هذه رسالة من الله ، بأن الله يقول في هذه الرسالة ياعبد ادعني ، تضرع إلي ، عُد إلي . 

بأن الله يلطف بنا ، يحبنا فيبتلينا لنعود إليه ، لننكسر بين يديه ، يُحب أن نكون قريبين منه دائمًا ، يحبّ أن يستمع إلى دعائنا ، إلى عبراتنا ، يالله ، كيف نعلم هذا كلّه عن الله ثمّ نعصيه ؟

ذكرت الأستاذة الفاضلة أ. أناهيد ( أن الله خلقنا ونبتلى بهذا الخلق الذي نحنُ فيه ( لنبلوكم أيكم أحسن عملًا ) الاختبار : أن ترحل ببدنك لتصلَ إلى الله وقلبك سليم .

فسبحانه ، لمّا خلقنا للبلاء سخّر لنا كل الأسباب التي تصلُ بنا إلى النجاة من أجل أن نصل سالمين إلى الله ، تنتفع بظاهره ويدلك باطنه إلى الله ، تُبتلى بضعفك فتركن إلى القوي ، تُبتلى بعجزك فتركن إلى القادر .

لم يقل لك : كُن وحدك ، كُن تائه ؛ إنما قيل لك : تعلّق بالله ، استح من الله ، اطلب من الله ، قُل : لا حول ولا قوّة إلا بالله .

الله ابتلى خلقه بإيجادهم ، وابتلاهم بما أعطاهم ليتعلّقوا به ، إذا عرف الإنسان حقيقة البلاء ، وأن اختباره دائر في قوّة تعظيمه لله وفي قوّة علاقته بالله وضع الأسباب في مكانها.

الله اختبر فيك قوّة استعانتك به ، هنا يتضّح الخطر ، أن الله عزّ وجلّ يدعو الخلق إلى دار السلام ، ويريد منهم أن يستجيبوا واستجابتهم دائرة في قوّة تعلقهم بربهم . )

كانت هذه الكلمات التي ربطت على قلبي ، الكلمات التي جعلتني أرى عظمة الله فيما أصابني ، التي جعلتني أبحث في طريق سيري عمّا إذا كنتُ في الطريق الصحيح أم لا ، هل أنا سائرة في هذا الاختبار إلى الله ، إذًا عليّ أن أحاول جاهدة في أن أصل إليه بقلبٍ سليم ، بأن أحاول جاهدةً ألّا أتعلق بالأسباب ، وأن أتعلّق بمسبّب الأسباب ، أن أدعو الله ( يامُسبّب الأسباب ، يسّر لي أسباب شفائي ) ، ثمّ لا ألبث إلا أن سخّر الله لي كلّ الأسباب ، ويسّر لي أسباب شفائي ، ثمّ أن الشفاء لم يكُن بيد أحد من خلقه ، إنما بيده وحده .

فكيفَ أحمده حق الحمد ، وكيف أثني عليه الثناء الذي يليق بجلال وجه وعظيم سلطانه .

فالحمدلله .. الحمدلله ، الذي شفاني وعافاني بفضلٍ منه وجود منه ولطفٍ منه ورحمة . 

مواضيع: قصدُ السبيل | 3 تعليقات »

3 تعليقات

  1. حلا :

    و لأول مرة في حياتي تصادفني كلمات نبعت من قلب صادق فاهتز لها وجداني و سالت بها مدامعي , حقًا ما أعظم الكلمات حينما تخرج من عمق الجنان , فتلامس بعذب أحرفها نفوس غفلت عن التعلّق بربها .

    دام قلمك بالصدق معطاء .

  2. إيناس :

    بينما كنت محتاجه لكلام عظيم مثل كلامك ،ساقني الله لمدوَنتك. فقط أريدك أن تعلمي بأنّ عباراتك لامست قلبي ،وخففت من ضيقي وأحيت بداخلي كثير ،

    شكراً من الأعماق بشرى 💕

  3. بُشرى المطَر :

    الله يسعدك يا إيناس، شكرًا لك على كلامك اللطيف

اكتب تعليقاً