أتواجدُ هنا

اشترك الآن



إذ ذهبَ مُغاضبًا!

5 أبريل, 2016 بواسطة بُشرى المطَر

 

Processed with VSCO with hb2 preset

كعادة أي إنسان يمشي في طريق مجهول لا يعلم مُنتهاه، يظل يلتمس الدليل في رحلته، يمشي الهوينا خشية أن يضل، أو أن يحيد عن الطريق الصحيح، أو أن تتخطفه ريح الهوى، فتهوي به في وادٍ من الندم سحيق!

تأتي لحظات ترى في نفسك عصيانًا وانحرافًا عمّا أمرت به، وخُلقت له، يوقظ الضمير عقلك للحظات، في حوارٍ أسرع من الثانية، ولكنك تنجح بالانفلات من عتابه، بالتهرب من تساؤلاته، تجد لنفسك مبرّراتٍ كثيرة، وهذا ما يفسر وقوعنا في الخطأ رغم علمنا المسبق بعاقبته، وعقابه!

مؤخرًا استوقفتني آية (إذ ذهب مغاضبًا) لماذا هذا الجزء منها بالتحديد! إذ ذهب مغاضبًا لربه! ما الذي أغضبه! تدور هذه التساؤلات في رأسي دون أن أحرك ساكنًا للبحث عن جواب، كنت السائل والمجيب في الوقت نفسه.

قصصًا كهذه تُذكر في القرآن، نمرّ عليها مراتٍ كثيرة، دون أن نعرف تفاصيلها، وتفسيرها، والحكمة منها، هو ما يدعونا لنأسى على أفهامنا، ولنبصق على عقولنا، إذ ما زادتنا هذه إيمانًا، إنما جهلًا وإعراضًا، والعياذ بالله.

فعندمَا بحثت في موقع إسلام ويب عن تفسير الآية كان مما وجدته في التفاسير:

أن يونس بن متى عليه السلام، بعثه الله إلى أهل قرية “نينوى”، وهي قرية من أرض الموصل، فدعاهم إلى الله، فأبو عليه وتمادوا على كفرهم، فخرج من بين أظهرهم مغاضبًا لهم، ووعدهم بالعذاب بعد ثلاث، فلما تحققوا منه ذلك، وعلموا أن النبي لا يكذب، خرجوا إلى الصحراء بأطفالهم وأنعامهم ومواشيهم، وفرقوا بين الأمهات وأولادها، ثم تضرعوا إلى الله عز وجل، وجأروا إليه، ورغت الإبل وفصلانها، وخارت البقر وأولادها، وثغت الغنم وحملانها، فرفع الله عنهم العذاب، قال الله تعالى: (فلولا كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها إلا قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ومتعناهم إلى حين) يونس: ٩٨ – تفسير ابن كثير

وقال تعالى: (وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون فآمنوا فمتعناهم إلى حين) وهذه الأمة العظيمة الذين آمنوا بدعوة يونس من أكبر فضائله، ولكنه –عليه الصلاة والسلام- ذهب مغاضبًا، وأبق عن ربه لذنب من الذنوب، التي لم يذكرها الله لنا في كتابه، ولا حاجة لنا إلى تعيينها؛ لقوله: إذ أبق إلى الفلك وهو مليم) أي: فاعل لما يُلام عليه، والظاهر أن عجلته ومغاضبته لقومه وخروجه من بين أظهرهم قبل أن يأمره الله بذلك، وظن أن الله لا يقدر عليه، أي يضيق عليه في بطن الحوت، أو ظن أنه سيفوت الله تعالى، ولا مانع من عروض هذا الظن للكمل من الخلق على وجه لا يستقر ولا يستمر عليه، فركب السفينة مع أناس، فاقترعوا من يلقون منهم في البحر لما خافوا الغرق إن بقوا كلهم، فأصابت القرعة يونس، فالتقمه الحوت، وذهب به إلى ظلمات البحر، فنادى في تلك الظلمات: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، فأقر لله تعالى بكمال الألوهية، ونزهه عن كل نقص وعيب وآفة، واعترف بظلم نفسه وجنايته.
قال تعالى: (فلولا أنه كان من المسبحين للبث في بطنه إلى يوم يبعثون) ولهذا قال هنا: (فاستجبنا له ونجيناه من الغم) أي: الشدّة التي وقع فيها، (وكذلك ننجي المؤمنين) وهذا وعد وبشارة لكل مؤمن وقع في شدة وغم أن الله تعالى سينجيه منها ويكشف عنه ويخفّف؛ لإيمانه، كما فعل بيونس عليه السلام – تفسير السعدي

كم مرّة غضبنا حول قدرٍ من أقدارنا، أسأنا الأدب مع القدير، فإذ به بلطف الربّ الخالق الرحيم، يهذّب أخلاقنا، ويقوّم اعوجاجنا؛ بأن يكشف لنا الحكمة لاحقًا، ولا يكفي أن يكشفها لنا، بل يبصّرنا بمكامن الخلل في أنفسنا، ليردنا إليه ردّ المُحب، ردّ الرحيم، ردّ اللطيف، فكم من موقفٍ عدنا بعده أناسًا آخرين!

كم مرّة سألنا الله أمرًا، ونحن متيقنين أنه سيؤتينا سؤلنا، وانتظرنا الليالي والأيام، ثمّ عندما أصابنا اليأس، ذهبنا مغاضبين، أن تأخرت علينا الإجابة، ولم نُعطى! فيتجاوز الله عنّا، ونتمادى بجهلنا، ونمتلئ سخطًا على ما قدّره لنا، تُرى بمَ عاقبنا الله على غضبنَا ذاك!؟
هل حبسنا عن الدعاء؟ فوجدنا في أنفسنا عجزًا عن عبادةٍ كنا نفعلها، أم أبعدنا عنه، وأورثنا ضيقة في الحياة وفي الخُلق وفي القلب، وشعثًا في النفس، فأصبحنا نتخبط في الحياة، نرى الموت والحياة سيّان، لا نرضى بهذا ولا بهذا!

ولكن العبرَة هنا في (وكذلك نُنجي المؤمنين) بمَ نجّاك الله من غضبه!؟
حين نجّى يونس بن متي بدعوته وتسبيحه وإنابته، وبشفاعة الملائكة حين سمعوا تسبيحه فقالوا: يا ربنا نسمع صوتًا ضعيفًا بأرض غريبة وفي رواية صوتًا معروفًا من مكان مجهول، فقال: ذاك عبدي يونس عصاني فحبسته في بطن الحوت، فقالوا: العبد الصالح الذي كان يصعد إليك منه في كل يوم وليلة عمل صالح؟ قال: نعم، فشفعوا له عند ذلك (ص: ٣٥٢) فأمر الحوت فقذفه إلى الساحل.
ونحن .. هل استزدنا في سنين رخائنا لأيّام شدّتنا؟!

مواضيع: غير مصنف | لا توجد تعليقات »

اكتب تعليقاً