أتواجدُ هنا

اشترك الآن



أدب وفيلم من السجون

12 أبريل, 2016 بواسطة بُشرى المطَر

التدوينة الثانية في تحدّي التدوين.

Processed with VSCO with a4 preset

تمامًا كما تخرج الأشواك على أطراف ساق الورد، أخرَج لنا “أيمن العتوم” الألم والجرح والقهر والعذاب على أطراف لغته الجميلة العذبَة، فأصبحتُ ما بينَ جمال لغته الوارفة، وما بين الألم الذي انتشر في صدري كوباء مميت بين الشهقة والأخرى، والدمعة والأخرى.

لقد وصف الألم كما لم يصفه أحدٌ من قبل، لم أعتد أن أعيش شعورًا لم أشعر به من خلال الحرف، أدخلني بوصفه إلى المهاجع، بين العساكر والضباط والجلادين، شعرتُ بألم السّوط، وألم الشتم، وألم الظلم، وألم القهر.

رغم اعتراض الكثيرين على حدّة الوصف، وأنها فوق احتمال القارئ، إلا أنني أراه نجح كثيرًا في وصف ذلك الواقع الذي لا نعرفه، نقل إلينا حياةً أخرى، تحت الأرض، داخل مهجع ٢٧ ومهجع ٣٤ في سجن تدمر، تلك الحيَاة التي تشبه الموتَ أكثر، ذلك الطريق الذي يمشي فيه المعتقلين نحو موتهم، ولكن بخطوات صغيرَة جدًّا، جارحة جدًا، يتمنّى السجين منهم لو أنه يسرع الخطى نحو الموت ليستريح، ذلك الوضع الذي يصلُ فيه الإنسان إلى أن يتمنى الموت، أن يتجاوز العذابات.

لن أتعمق في إخبارك عن دقّة وصف الكاتب لكلّ التفاصيل المُميتة، عن ساحة التعذيب، عن الضرب، وعن السلخ، عن الإهانة والوحشيّة، لكنّي سأخبرك إن كنتَ تحمل قلبًا ضعيفًا بين جوانحك فأنصحك باستبعاد فكرة قراءة الرواية، لأنك لن تجدَ فيها سوى الألم. ولكن إن أردت أن تُربي قلبك المريض بحبّ الدنيا، المرفّه على أرائك الراحة، الذي يتقلب بين حريرَة وأخرى، فأنا أنصحك بشدّة أن تُمسك هذه الرواية، وتقرأها من الحرف الأول حتّى الأخير، وألّا تقاوم رغبتك في البُكاء، وألّا تتجاهل استحقارك لنفسك بين مشهدٍ وآخر، وألا تهرب من دمعَة سجين ستيني تبلّل أوراق الرواية، وأن تعيشَ الحياة الموجودة بالرواية كما هيَ، دون زيادة أو نقصان.

أن تستشعر كل أصناف الأمراض والأوبئة التي حلّت بالسجناء، وجهدهم الدؤوب من أجل التداوي، كيف يعيشُ الآخرون مع مرض لا يوجد له دواء، كيف يمرض الطبيب ولا يستطيع علاج نفسه، إنها قمّة الضعف الإنساني، قمّة الحاجة الدائمة إلى من هو أقوى، إلى القوي العزيز.

في كل مرّة تقرأ فيها صفحات الرواية، وترفع عينيك لأرض الواقع، ستحسّ بقيمة كل نعمَة، ستشعر بنعمَة السرير الذي يتسع لأن تتقلّب فيه ذات اليمين وذات الشمال، وتشعر بنعمَة أن تذهب لقضاء حاجتك دون عناء أو مشقّة أو ذلّة أو إهانة، دون أن تستغرق في ذلك الأمر وقتًا طويلًا من الرجاء والاستعطاف، أن تشعر بنعمَة أنّك متى شعرتَ بالضيق والحزن والألم تستطيع الوضوء واستقبال القبلة والصلاة والدعاء، تستطيع اللجوء إلى الله في أي وقت، ودون أي مانع، وذلك مالم يستطع معتقلي تدمر القيام به، ستشعر بنعمة امتلاك مصحفٍ ورقيّ، لأن تساؤلًا مُفجعًا سينهار على رأسك وأنت تقرأ أحداث الرواية: لو فقدنا مصاحفنا الورقية كيف سنقرأ القرآن ونحن لا نحفظ منه إلا السور القصار؟ القرآن دواء للأرواح المعطوبة التالفة، شفاء للنفس المعذبة المتهالكة، العذاب الأقوى أن تُمنع من ممارسة عبادتك، أن تُبتلى في إيمانك، لذلك ربما تكون الرواية أيقظت جانبًا سهونا عنه، علينا أن نشعر بنعمَة الرخاء والأمان وحريّة العبادة.

الكاتب أبدع أيما إبداع في إخراجي من عالم الترف إلى عالم القهر والظلم، وأنا أقرأ الرواية كنتُ أتشبثُ بأمل.. أمل خروجه من السجن.


فيلم (الخلاص من شاوشانك)
The Shawshank Redemption

unnamed (2)


عندما يعتقد آندي دوفرين أنه سُجنَ ظلمًا، وأن الحياة التي يطمح لها ليست خلف زنزانة تنتهكُ حقه في العيش بحريّة، ماذا سيفعل داخل السجن ليجعل إيمانه ببراءته وبحقّه في ممارسة الحياة التي تمنحه الإنسانية والحرية ممكنة وغير مستحيلة، إلى أين سيوصله ذكاءه، وكيف ستكون حياته داخل السجن.
الحوار في الفيلم لطيف جدًا ومُرهف، وطريقة العرض والإخراج، والأسلوب القصصي رائع.

‏لقطة الشاشة ١٤٣٧-٠٧-٠٥ في ١١‎.٠٨‎.٣٧ م

مواضيع: غير مصنف | 2 تعليقات »

2 تعليقات

  1. amooo.ol :

    أجدتِ يا بُشرى ، أدعوا معكِ من فقد إحساسه بالنِّعم الوفيرة من حوله وتذمّر من حياته ووصفها زورًا بالمُملةِ والحزينة ، أن يغوص داخل أدب السّجون الآسي ، ويتقلّب بين مذكرات السّجناء ، حتى يوقن أن ما يواجهه لا يعدُ عن كونه مجرد ” تفاهة ” مقابل ما يتجرّعه إخوتنا في أتون السّجون ، وتحت قبضة الجلّادين .. وأن نعمة الحرية لوحدها تستوجب شكر الله كثير الشكر وحمده كثير الحمد وأنّى يطيق أحدنا حمد الله وشكره عليها !

  2. بُشرى المطَر :

    صدقتِ يا آمال.. صدقتِ

اكتب تعليقاً