أتواجدُ هنا

اشترك الآن

تعال لتُصبح صديقي

10 أبريل, 2018 بواسطة بُشرى المطَر

a899f41903169059701056a1df4a3b33

تعال لتصبح صديقي!

لم تعد هنالك الكثير من الحوارات التي تنتهي بِ (أتفهمّك جيّدًا)، لم تعدُ العلاقات وثيقة، ولم تعد الصداقات متينة، اختلّت المفاهيم، واعتلّت الأنفس، واختلط الحابلُ بالنّابل!
سوف تقول الوداع كثيرًا، للأشخاص الذين كان وجودهم مُفتعلًا، يتطلّب الكثير من ردّ الجميل، والمشاعر المزيّفة، ستقول الوداع للكثير من الأشخاص الذين امتصوا طاقتك بكثرة المقارنات التي تفضي إلى الحسد والغيرة، ستقول الوداع لمن صعد على أكتافك، وركلك في نهاية المشوار، ستقول الوداع لذلك الذي ينفث سمومه من خلال كلماتٍ بذيئة، الذي لا يملك كلمةً طيّبة طيلة فترة صداقتكما، عند المنعطف ستنكشف النوايا، وسيُظهر الخبيثُ خبثه، وينشرُ الطيّبُ طيبَه.

سيدخل محيطك الكثير من الأشخاص، وتخوض الكثير من المعارف والعلاقات، يبدو لي أنه من الصعب جدًّا إدخال فردٍ جديد في قائمة صداقاتي، يعود ذلك لحذري الشديد، وللصعوبة التي أواجهها في منح الثقة لأي شخص، قد تبدو بشاشتك جاذبة لي، ولكنّي أحافظ على جمالها بالنظر إليها من بعيد، لأني أشعر بأن هنالك مسافة آمنة تحافظ على جمال الأشياء، وأن الاقتراب الشديد قد يفسدها، أقابل أشخاصًا  وأهمسُ في داخلي: تعالَ لتُصبح صديقي!
لكن العملية معقّدة نوعًا مّا من وجهة نظري، الصداقة هي سلسلة من المراحل، هي رحلة طويلة، ليست أي محادثة عابرة تنتهي بصداقة، ليسَ كل كوب قهوة تشاركته مع أحدهم قد ينتهي بعلاقة طويلة الأمد، وليس كلّ سقف يجمع اثنين يجعلهم أصدقاء، هنالك الكثير من العوامل.

تعال لتصبح صديقي!

ولكن قبلها لنسأل هذه الأسئلة:
هل هاتفتك يومًا، واخبرتك بشيءٍ لا يعرفه أحدٌ سواك؟
هل خطرتَ على عقلي في أحلك الأوقات فوجدتني دون أدني تحكّم أختار اسمك ورقمك لأفضي لك بما اكتنز بداخلي، وتفهّمتني وقتها، بثثت شعورَ الأنس والراحة بداخلي؟
هل مضَى الوقت سريعًا وأنا أحادثك دون أن أنتبه لعقارب الساعة، وودت لو أن الساعة تصبح دهرًا وألّا ينتهي الوقت، ولا ينتهي حديثي معك؟
هل دعوتُ كثيرًا بأن أجتمع بك على خير في أقرب وقت، وكان دعائي ذلك نابعًا عن حاجةٍ واشتياق عميقين؟
هل لازلت أتذكر مالذي يضحكك؟ مالذي يحزنك؟ متى ينبغي عليّ الاقتراب، ومتى ينبغي عليّ الابتعاد؟
عندمَا نتحدث هل أعرفُ المرحلة التي ينبغي عندها التوقف عن الاسترسال في الحديث لأن ذلك يؤذيك؟ وعندمَا تصمت أعلمُ أنك بحاجة للاختلاء فأحترم رغبتك تلك؟

تعال لتصبح صديقي!


لأنّ الرحلة طويلة وشاقة، وتحتاجُ إلى رفيق يؤانس دربك، رفيقٌ تسند عليه كتفك إذا ما طال المسير، صديقٌ يساعدك لتقف بعد كل سقوط.
فالصداقة: صدق الاعتقاد في المودة، أن أجزم بمودتك لي، جزمًا يجعل ثقتي فيك قوية، وحسنَ ظنّي متين، أن تكون أنا بالنّفس، رغم اختلافك عني بالشخص، مؤازرٌ لي في الشدّة، عدّةٌ لي في المضرّة، حاضرٌ في المسرّة، لا أخشى اختلاف لونك، ولا اعتلال كُنهك.

قال الكندي: الصديق إنسان هو أنت، إلّا أنه غيرك! (أدب الدنيا والدين للماوردي صـ١٦٣.)

كم مرّة دخلت في علاقة اعتقدت بأنها صداقة، ثمّ صُدمتَ في نهاية الأمر، وتفرّق شملكم وتركَ ذلك أثرًا لا يُمحى؟
الكثير ممن عرفتهم مرّوا بعلاقة صداقة غير ناجحة، لا أستطيع أن أصفها بالفشل، لأن الخلل قد لا يتبع بالضرورة العلاقة ذاتها، إنما قد يكون الخطأ من أحد الأطراف، قد تنتهي العلاقة خلف أسباب مجهولة، تترك أطرافها غير قادرين على تحليل السبب تحليلًا منطقيًا، فيصبح التهرب من مواجهة الأمر هو الحل الأمثل!

إذا ما مررت بهذا الموقف فأعتقد أنك بحاجة إلى مراجعة حساباتك، ومعرفة الخلل الذي أفضى إلى هذه الفُرقة، لأن ذلك الخلل قد يجعل الأمر مستفحلًا في العديد من العلاقات التي تخوضها.

فالصداقة الحقيقة تقوم على العديد من الأمور، ومن النقاط التي ينبغي الرجوع إلى إذا ما شعرت أنّك غير قادرٍ على المحافظة على صداقاتك:
– أن يكون التقوى أساس الصداقة، أن تُبنى على حبلٍ متين، (واعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرّقوا)، هنا الأساس القوي، أن تصاحب من صلح دينه، وبدت لك منه نيّة حسنة، وخلقٌ حسن، من يذكرك بالله عند كلّ ضائقة، من تثق تمامًا بأنه سينتشلك من وحل الخطيئة كلما سقطت بها، وينير لك بصيرتك إذا ما أظلمت.
– الصداقة التي تُبنى على حسن الظن، تعيشُ طويلًا، وتكون زادًا في الدنيا، وذخيرةً في الآخرة، قد تكون شخصًا حسّاسًا، لا تقبل النّقد، ولا الانشغال من الطرف الآخر، لا تحترم وقت الآخر، سيء الظن، بينما الصداقة تحتاج إلى الكثير من التغافل عن الزلل، ومراعاة ظروف وحياة الطرف الآخر، تحتاج إلى إحسان الظن، مرّة تلو الأخرى.
– حفظ الغيبة وكتمان السر، عمادٌ لا يسقط إلّا وسقطت الصداقة، فالصديق الصادق يدافع عن صديقه في السر والعلن، يحفظ سرّه ويكتمه، لا يبدي للناس مالا يرضاه صديقه، ولا يُفشي سرًّا استأمنه عليه، جديرٌ بالثقة، يكون له صندوقًا محكم الإغلاق على سرّه، وبئرًا عميقًا لا يخرجُ منه ما سقط فيه.
– فليكُن عتابُك جميل، وصفحك أجمل، لا تعاتب إلّا وأنت مستوثق من سبب العتاب، ولا تعرّج في عتابك على مواضيع أخرى، وأمورًا قد تقلبُ من خلالها مواجع دفينة، وليكُن عَوْدكَ جميلًا، كما كان عتابك جميلًا، لا تؤذي قلبه بالغياب الطويل، ولا تقطع حبلَ الصلّة، فلربما لانَ بعد الجفاء.
– سيُخطئ ولابدّ، فكُن له دليلًا إذا ما ضلّ طريقه، مصباحًا إذا ما أظلم دربه، عينًا إذا ما عمَت بصيرته، وقمرًا إذا ما طال ليله.
– شاركه حلو الأوقات، ومرّها، فالصديق في الأزمات، ليسَ كغيره، والصديق في الأفراح، لا تقلّ الحاجة إليه في غيرها من الأوقات، كُن حاضرًا ولو من بعيد، مُشاركًا ولو بكلمةٍ طيبة، فالصديق هو شقٌّ من الروح، لا يكتمل بدونه شعور.

آمن أبو بكرٍ الصديق بنبيّنا –عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم- عندمَا كذبه قومه، وأمّنت خديجة بنت خويلد –رضي الله عنها- خوفَ زوجهَا عندمَا ارتعدت فرائصه خوفًا، ونام عليٌّ بن أبي طالب –رضي الله عنه- في فراش الموت بدلًا منه، عندمَا تآمر القوم ليذبحوه، فالصديق لا يخضع لمعايير عمريه، ولا معايير نوعيّة، الصديق قد يكبرك بالعمر الكثير، قد يصغرك أيضًا، قد تكون والدتك أو والدك، أخاك أو أختك، ابن عمّك أو خالك، زوجك أو زوجتك، الصديق يُخلق من روحك، يولد من رحم الحياة، ومن عُمق الظروف.
فلا تغفل عنه، قد يكون قريبًا منك، قد لا تنتبه لصدقه، ولا لعطائه، ولكنّه أفنى لأجلك وقته وجهده وحياته، لا تضيّق النطاق، وضمّ إلى جناحك كل صادقٍ في ودّك، وكلّ من خاف الله فيك، وأحسن في إخائه لك.

وأخيرًا.. كونوا أصدقاء جيدين وطيبين.

مواضيع: غير مصنف | لا توجد تعليقات »

اكتب تعليقاً