إذ ذهبَ مُغاضبًا!

 

Processed with VSCO with hb2 preset

كعادة أي إنسان يمشي في طريق مجهول لا يعلم مُنتهاه، يظل يلتمس الدليل في رحلته، يمشي الهوينا خشية أن يضل، أو أن يحيد عن الطريق الصحيح، أو أن تتخطفه ريح الهوى، فتهوي به في وادٍ من الندم سحيق!

تأتي لحظات ترى في نفسك عصيانًا وانحرافًا عمّا أمرت به، وخُلقت له، يوقظ الضمير عقلك للحظات، في حوارٍ أسرع من الثانية، ولكنك تنجح بالانفلات من عتابه، بالتهرب من تساؤلاته، تجد لنفسك مبرّراتٍ كثيرة، وهذا ما يفسر وقوعنا في الخطأ رغم علمنا المسبق بعاقبته، وعقابه!

مؤخرًا استوقفتني آية (إذ ذهب مغاضبًا) لماذا هذا الجزء منها بالتحديد! إذ ذهب مغاضبًا لربه! ما الذي أغضبه! تدور هذه التساؤلات في رأسي دون أن أحرك ساكنًا للبحث عن جواب، كنت السائل والمجيب في الوقت نفسه.

قصصًا كهذه تُذكر في القرآن، نمرّ عليها مراتٍ كثيرة، دون أن نعرف تفاصيلها، وتفسيرها، والحكمة منها، هو ما يدعونا لنأسى على أفهامنا، ولنبصق على عقولنا، إذ ما زادتنا هذه إيمانًا، إنما جهلًا وإعراضًا، والعياذ بالله.

فعندمَا بحثت في موقع إسلام ويب عن تفسير الآية كان مما وجدته في التفاسير:

أن يونس بن متى عليه السلام، بعثه الله إلى أهل قرية “نينوى”، وهي قرية من أرض الموصل، فدعاهم إلى الله، فأبو عليه وتمادوا على كفرهم، فخرج من بين أظهرهم مغاضبًا لهم، ووعدهم بالعذاب بعد ثلاث، فلما تحققوا منه ذلك، وعلموا أن النبي لا يكذب، خرجوا إلى الصحراء بأطفالهم وأنعامهم ومواشيهم، وفرقوا بين الأمهات وأولادها، ثم تضرعوا إلى الله عز وجل، وجأروا إليه، ورغت الإبل وفصلانها، وخارت البقر وأولادها، وثغت الغنم وحملانها، فرفع الله عنهم العذاب، قال الله تعالى: (فلولا كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها إلا قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ومتعناهم إلى حين) يونس: ٩٨ – تفسير ابن كثير

وقال تعالى: (وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون فآمنوا فمتعناهم إلى حين) وهذه الأمة العظيمة الذين آمنوا بدعوة يونس من أكبر فضائله، ولكنه –عليه الصلاة والسلام- ذهب مغاضبًا، وأبق عن ربه لذنب من الذنوب، التي لم يذكرها الله لنا في كتابه، ولا حاجة لنا إلى تعيينها؛ لقوله: إذ أبق إلى الفلك وهو مليم) أي: فاعل لما يُلام عليه، والظاهر أن عجلته ومغاضبته لقومه وخروجه من بين أظهرهم قبل أن يأمره الله بذلك، وظن أن الله لا يقدر عليه، أي يضيق عليه في بطن الحوت، أو ظن أنه سيفوت الله تعالى، ولا مانع من عروض هذا الظن للكمل من الخلق على وجه لا يستقر ولا يستمر عليه، فركب السفينة مع أناس، فاقترعوا من يلقون منهم في البحر لما خافوا الغرق إن بقوا كلهم، فأصابت القرعة يونس، فالتقمه الحوت، وذهب به إلى ظلمات البحر، فنادى في تلك الظلمات: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، فأقر لله تعالى بكمال الألوهية، ونزهه عن كل نقص وعيب وآفة، واعترف بظلم نفسه وجنايته.
قال تعالى: (فلولا أنه كان من المسبحين للبث في بطنه إلى يوم يبعثون) ولهذا قال هنا: (فاستجبنا له ونجيناه من الغم) أي: الشدّة التي وقع فيها، (وكذلك ننجي المؤمنين) وهذا وعد وبشارة لكل مؤمن وقع في شدة وغم أن الله تعالى سينجيه منها ويكشف عنه ويخفّف؛ لإيمانه، كما فعل بيونس عليه السلام – تفسير السعدي

كم مرّة غضبنا حول قدرٍ من أقدارنا، أسأنا الأدب مع القدير، فإذ به بلطف الربّ الخالق الرحيم، يهذّب أخلاقنا، ويقوّم اعوجاجنا؛ بأن يكشف لنا الحكمة لاحقًا، ولا يكفي أن يكشفها لنا، بل يبصّرنا بمكامن الخلل في أنفسنا، ليردنا إليه ردّ المُحب، ردّ الرحيم، ردّ اللطيف، فكم من موقفٍ عدنا بعده أناسًا آخرين!

كم مرّة سألنا الله أمرًا، ونحن متيقنين أنه سيؤتينا سؤلنا، وانتظرنا الليالي والأيام، ثمّ عندما أصابنا اليأس، ذهبنا مغاضبين، أن تأخرت علينا الإجابة، ولم نُعطى! فيتجاوز الله عنّا، ونتمادى بجهلنا، ونمتلئ سخطًا على ما قدّره لنا، تُرى بمَ عاقبنا الله على غضبنَا ذاك!؟
هل حبسنا عن الدعاء؟ فوجدنا في أنفسنا عجزًا عن عبادةٍ كنا نفعلها، أم أبعدنا عنه، وأورثنا ضيقة في الحياة وفي الخُلق وفي القلب، وشعثًا في النفس، فأصبحنا نتخبط في الحياة، نرى الموت والحياة سيّان، لا نرضى بهذا ولا بهذا!

ولكن العبرَة هنا في (وكذلك نُنجي المؤمنين) بمَ نجّاك الله من غضبه!؟
حين نجّى يونس بن متي بدعوته وتسبيحه وإنابته، وبشفاعة الملائكة حين سمعوا تسبيحه فقالوا: يا ربنا نسمع صوتًا ضعيفًا بأرض غريبة وفي رواية صوتًا معروفًا من مكان مجهول، فقال: ذاك عبدي يونس عصاني فحبسته في بطن الحوت، فقالوا: العبد الصالح الذي كان يصعد إليك منه في كل يوم وليلة عمل صالح؟ قال: نعم، فشفعوا له عند ذلك (ص: ٣٥٢) فأمر الحوت فقذفه إلى الساحل.
ونحن .. هل استزدنا في سنين رخائنا لأيّام شدّتنا؟!

تحدّي التدوين.. مُبادرَة لطيفة لإحياء الجمَال

bloggingchallange

في مُبادرة فريدة من نوعها، يستعيد الحرف نشاطه ليُشكّل فارقًا في الحيَاة، ويصنع إلهامًا، ويجلب الجمَال.

نبدأ على بركة الله تحدّي التدوين مع مجموعة من المدونين، تحت مبادرة قامت بها الكاتبة المتألقة: نوال القصير، وممتنّة لها والله على هذا الفعل الجميل.
هُنا التفاصيل.

تحدي التدوين:
* آية استوقفتني: إذ ذهبَ مُغاضبًا!

*نقطة تغيّر وتحوّل في حياتي: نقطَة تحول! أنت من يقرّرها

*أدب وفيلم من السجون

*إلى شخصٍ عظيم في حياتي

*تجربة مررت بها.

الخَالة خديجة ( رحمها الله )

 

صورة (1)

 

لا يزالُ صوتها في أذني ، دعاؤها في عتمة اللّيل ( ربّ ارحمني ) ، أنينها الذي لا يتوقّف ، حركتها المُفاجئة وهي تنادي ابنتها : رباااب .. يا بتّي يارباااب !

 الألم الذي شاخ في نبرةِ ندائها ، شعرها الفضيّ ، جمالُ وجهها رغم كبر سنّها ، ونظرتهَا تلك !

تلك النظرَة العميقة التي هزّت كياني ، عندما فُتحت الستارة التي بيننا ، وقعت عيناها على عيني ، أربكتني تلكَ النظرَة ، نظرة الضعف ، نظرَة الوهن ، كانت تنظر إلي وتئنّ ، خشيتُ وقتها ، خفتُ كثيرًا ، أغلقتُ الستار بسرعةٍ وكأنني أهربُ من شيء لا أعلم ماهو ، علقت الدهشة في ملامحي ، يالله .. هل يصلُ الإنسان إلى هذه المرحلة من الضعف ، عندمَا يمرضُ الإنسان سينسَى كيف كان قويًا ، يلتجيء فورًا إلى من هو أقوى منه ، إلى من بيده أمره . 

الليلة الأخيرة التي قضيتها في المشفَى ، الليلة الأخيرة التي سمعتُ فيها أنين الخالة خديجة – رحمها الله – تلك الليلة التي شعرتُ فيها بأن المكان يضيق ، وبأن صبري يكادُ ينفد ، ذلك الممر الهاديء ، تتابع الممرضات نحوي محاولين تهدئتي ، كنتُ أريد الخروج ، لم أستطع النّوم ليلةً أخرى في المشفى ، لم أكن أعلم سبب هذا الضيق .

لكنّي الآن عرفت ، إنه الحزن ، أن تجاور مريضًا لا علاقة لك به ، فلا تسمعُ منه إلا الأنين والدعاء ، عندمَا يُصبح نومي مع نومها ، واستيقاظي على صوت أنينها وتوجعها ، فحتمًا سيُصيبُ داء الحزن قلبي ،  كنتُ أدعو لي ولها ، ولكن حين أتذكر أن الله لا ينسى عباده ، أن الله رحيم بعباده ، ورحمته العظيمة وسعت كل شيء يطمئن قلبي .. 

رحلت الخالة خديجة بعدَ أن صارعت المرَض ، بعدَ أن بكيتُ لبكائها وتألّمت لألمها ، رحلت إلى الذي هو أرحم بها منّا  ، رحلت إلى من رحمته وسعت كل شيء سبحانه .

في آخر يومٍ لي في المشفى ، عندما كان الطبيب يحدثني عن اجراءات الخروج ، سمعتها تصرخ : طلّعوووني .. طلّعووني ! 

بالكاد تمالكتُ نفسي من البكَاء ، كنتُ فرحةً لأنني سأغادر المشفى ، ولكن حزييينةٌ جدًا لحالها ، وعزائي الوحيد أن لها ربّ رحيم هو معها ، يلطف بها ويرحمهَا ، مررتُ عليها ، ودعتُ ابنتها التي رُسِم الحزن في ملامحها ، ودعوتُ للخالة خديجة ( رحمها الله ).

كانت في أضعفِ حالاتها لدرجة أنها لا تستطيعُ النظر إليّ من شدة الألم .

لم أستطع نسيانها ، كلّما وضعتُ رأسي على وسادتي لأنام جاءني صوتها ، فلا أتمالك نفسي من البكاء . 

الحمدلله على ألطافه وأقداره ، رحمها بأن قبضَ روحها ورفعهَا إليه أسأل الله أن يجعل الجنّة نزلها ، ورحمنِي بأن رزقني فرصةً للحياة ، وأخرجني ممّا كنتُ فيه ، ما أعظمه من ربّ ، سبحانه . 

أسأل الله أن يرحمها برحمته الواسعة ، وأن يجعل ما أصابها تكفيرًا لها ، وأن يجعل قبرها روضةً من رياض الجنة ، ويغفر لها ويرحمها ويكرم نزلها ، ويجعلها ممن يدخلون الجنّة بغير حساب ولا سابقة عذاب ، إنه وليّ ذلك والقادر عليه .