تحدّي التدوين.. مُبادرَة لطيفة لإحياء الجمَال

bloggingchallange

في مُبادرة فريدة من نوعها، يستعيد الحرف نشاطه ليُشكّل فارقًا في الحيَاة، ويصنع إلهامًا، ويجلب الجمَال.

نبدأ على بركة الله تحدّي التدوين مع مجموعة من المدونين، تحت مبادرة قامت بها الكاتبة المتألقة: نوال القصير، وممتنّة لها والله على هذا الفعل الجميل.
هُنا التفاصيل.

تحدي التدوين:
* آية استوقفتني: إذ ذهبَ مُغاضبًا!

*نقطة تغيّر وتحوّل في حياتي: نقطَة تحول! أنت من يقرّرها

*أدب وفيلم من السجون

*إلى شخصٍ عظيم في حياتي

*تجربة مررت بها.

الخَالة خديجة ( رحمها الله )

 

صورة (1)

 

لا يزالُ صوتها في أذني ، دعاؤها في عتمة اللّيل ( ربّ ارحمني ) ، أنينها الذي لا يتوقّف ، حركتها المُفاجئة وهي تنادي ابنتها : رباااب .. يا بتّي يارباااب !

 الألم الذي شاخ في نبرةِ ندائها ، شعرها الفضيّ ، جمالُ وجهها رغم كبر سنّها ، ونظرتهَا تلك !

تلك النظرَة العميقة التي هزّت كياني ، عندما فُتحت الستارة التي بيننا ، وقعت عيناها على عيني ، أربكتني تلكَ النظرَة ، نظرة الضعف ، نظرَة الوهن ، كانت تنظر إلي وتئنّ ، خشيتُ وقتها ، خفتُ كثيرًا ، أغلقتُ الستار بسرعةٍ وكأنني أهربُ من شيء لا أعلم ماهو ، علقت الدهشة في ملامحي ، يالله .. هل يصلُ الإنسان إلى هذه المرحلة من الضعف ، عندمَا يمرضُ الإنسان سينسَى كيف كان قويًا ، يلتجيء فورًا إلى من هو أقوى منه ، إلى من بيده أمره . 

الليلة الأخيرة التي قضيتها في المشفَى ، الليلة الأخيرة التي سمعتُ فيها أنين الخالة خديجة – رحمها الله – تلك الليلة التي شعرتُ فيها بأن المكان يضيق ، وبأن صبري يكادُ ينفد ، ذلك الممر الهاديء ، تتابع الممرضات نحوي محاولين تهدئتي ، كنتُ أريد الخروج ، لم أستطع النّوم ليلةً أخرى في المشفى ، لم أكن أعلم سبب هذا الضيق .

لكنّي الآن عرفت ، إنه الحزن ، أن تجاور مريضًا لا علاقة لك به ، فلا تسمعُ منه إلا الأنين والدعاء ، عندمَا يُصبح نومي مع نومها ، واستيقاظي على صوت أنينها وتوجعها ، فحتمًا سيُصيبُ داء الحزن قلبي ،  كنتُ أدعو لي ولها ، ولكن حين أتذكر أن الله لا ينسى عباده ، أن الله رحيم بعباده ، ورحمته العظيمة وسعت كل شيء يطمئن قلبي .. 

رحلت الخالة خديجة بعدَ أن صارعت المرَض ، بعدَ أن بكيتُ لبكائها وتألّمت لألمها ، رحلت إلى الذي هو أرحم بها منّا  ، رحلت إلى من رحمته وسعت كل شيء سبحانه .

في آخر يومٍ لي في المشفى ، عندما كان الطبيب يحدثني عن اجراءات الخروج ، سمعتها تصرخ : طلّعوووني .. طلّعووني ! 

بالكاد تمالكتُ نفسي من البكَاء ، كنتُ فرحةً لأنني سأغادر المشفى ، ولكن حزييينةٌ جدًا لحالها ، وعزائي الوحيد أن لها ربّ رحيم هو معها ، يلطف بها ويرحمهَا ، مررتُ عليها ، ودعتُ ابنتها التي رُسِم الحزن في ملامحها ، ودعوتُ للخالة خديجة ( رحمها الله ).

كانت في أضعفِ حالاتها لدرجة أنها لا تستطيعُ النظر إليّ من شدة الألم .

لم أستطع نسيانها ، كلّما وضعتُ رأسي على وسادتي لأنام جاءني صوتها ، فلا أتمالك نفسي من البكاء . 

الحمدلله على ألطافه وأقداره ، رحمها بأن قبضَ روحها ورفعهَا إليه أسأل الله أن يجعل الجنّة نزلها ، ورحمنِي بأن رزقني فرصةً للحياة ، وأخرجني ممّا كنتُ فيه ، ما أعظمه من ربّ ، سبحانه . 

أسأل الله أن يرحمها برحمته الواسعة ، وأن يجعل ما أصابها تكفيرًا لها ، وأن يجعل قبرها روضةً من رياض الجنة ، ويغفر لها ويرحمها ويكرم نزلها ، ويجعلها ممن يدخلون الجنّة بغير حساب ولا سابقة عذاب ، إنه وليّ ذلك والقادر عليه .