الجَانب المُشرق

 

 

   

 

 

كيف يستطيعُ الإنسان أن يتذكر دائمًا بأن هنالك جانبان للحياة ، كيف يستطيع أن ينظر إلى الضفّة الأخرى ويدع عيناه عليها دائمًا بالرغم من أنه ليس موجودًا بها .

كيف عندمَا يكون الشخص منّا في حالة حزن يفُكر بالفرح ، كيف حينَ يكون في حالة رخاء ويفكّر بالشدة ، كيف حين يكون في صحةٍ جيّدة ويفكر بالمرض !

كان هذا حالي  مُذ خرجتُ من المشفى ، ومُنذ أن بدأت استعيد صحّتي وعافيتي ، كنتُ أتشبّثُ بتلك الأوقات التي بدأت تصبح ذكرى ، تصبح شيئًا من الماضي ، كلّما تعمّق فيني شعور العودة إلى الحياة الطبيعية ، أشعر بعُقدة الذنب ، أخشى أن أنسى كيف كنتُ ضعيفة ، أخشى أن أنسى كيف كنتُ أرجو الله وأدعوه برجاء شديد وبتذلّل ، أخشى وأستحي أن يغلبني الشيطان فيُنسيني ضعفي ، أن أعود لما كنتُ عليه من ضياع ، كلّما طاب لي جانبٌ من الحياة أحاول أن أتذكر ذلك السرير ، والأضواء المُطفأة ، ونورٌ من خلف الستار يحملُ أنينًا لا ينقطع ، ونداءٌ مستمرّ ( ربّ ارحمني .. ربّ ارحمني .. ارحمني يالله ) !

نعم .. !

هذا الجانب ، الذي كلّ مافيه ( الله ) ، كلّ مافيه ضعفاء يتذلّلون لله ، كلّ مافيه نداءٌ لا ينقطع ، كلّ مافيه استعانة بالله ، وتوكّل عليه ، وإنابةٌ وتوبةٌ ودعاء .

هذا الجانب الذي زرته زيارةً سريعة ، أراني الله فيه أننا محتاجين إليه ، عاجزين دونه ، في حاجة دائمة إلى معيته ، الجانب الذي رأيتُ فيه كل معنىً للرجاء ، ذلك الرجاء الشديد الذي يجعلني أقطعُ الأمل في كل شيء إلا الله .

حينَ آوي إلى فراشي ، أمسك جهاز التكييف وأهمّ بتشغيله ، يبدأ صوت جهاز ( المغذّي ) بالطنين في أذني ، أتذكره .. فيطيرُ النّوم من عينيّ ، وأبدأ في الولوج إلى تلك الذكريات .

عندما يبتلي الله عبدًا بمصيبةٍ فإنّ في ذلك حكمةً منه يجهلها هذا العبد الضعيف، وعليه أن يُفتش عن حكمة الله فيما أصابه لا أن يقنط ويسخط ويتذمّر ، عندما ابتلاني الله كان هذا الابتلاء من أعظم المنَح التي لو سجدتُ عمري كله ما أديتُ شكرها ( أسأل الله أن يعينني على ذكره وشكره وحسن عبادته ) ، علّمتني دروسًا كثيرة ، أن الله لا ينزلُ مصيبةً إلا ويربط على قلبِ عبده ، سبحانه كيف أن رحمته تسبق كل شيء ، سبحانه كيف أن رحمته وسعت كل شيء ، فقد سخّر لي من الناس من لا ولم يخطر لي على بال ، يدعون لي ويتصدقون عني ويقومون الليل يطلبون من الله أن يشفيني ، حتى أني من فرط سعادتي نسيتُ ما أنا فيه من همّ وحزن .

تلك الابتسامات والكلمات والدعوات التي تُطفيء تقطيبةَ جبيني ، وترسم الابتسامة على وجهي ، كنتُ في حقيقة الأمر لا أرى حولي ( وجوه ) إنما ( قلوب ) تنبض بالحب وبالود ، الحُب الذي لم يعد الناس يعرفونه في زمن المظاهر ، الحُب الذي تُظهره المواقف ، وليست أي مواقف ، المواقف الصعبة التي لايظهر فيها إلّا الصاحب المُحب المُخلص الذي يبتغي من حبه رضا الله ، الذي يقربّك بحبّه إلى الله ، الذي يُذكّرك حبه بالله ، الذي يحثّك بحبه أن تدعو الله ، الذي يُدخلك الله بهذا الحُب الجنّة ، الحُب الذي تستظلّ به تحت عرش الرحمن .

ومن عظيم رحمة الله بي ، أن منّ علي بحضور أحد دورات الأستاذة الفاضلة أ. أناهيد السميري ، عن تعظيم الله ، في الوقت الذي كنتُ فيه في أمس الحاجة لما يزيد تعلّقي بالله ، شعرتُ بأن الله يرسل لي كلّ مايربط على قلبي ، بأن الله يُرشدني ، كلما أوشكت على فقد الأمل وبدأتُ في حالة يأس يُرسل الله لي من يُذكرني بعظيم الأجر والثواب ، فكأنما أستعيدُ قوّتي من جديد .

لا أنسى تلك اللحظة التي كنتُ في بداية مرضي ، لا أنسى ذلك الحديث الذي أثار شجوني ، ولم أتمالك نفسي من البكاء : أن هذه رسالة من الله ، بأن الله يقول في هذه الرسالة ياعبد ادعني ، تضرع إلي ، عُد إلي . 

بأن الله يلطف بنا ، يحبنا فيبتلينا لنعود إليه ، لننكسر بين يديه ، يُحب أن نكون قريبين منه دائمًا ، يحبّ أن يستمع إلى دعائنا ، إلى عبراتنا ، يالله ، كيف نعلم هذا كلّه عن الله ثمّ نعصيه ؟

ذكرت الأستاذة الفاضلة أ. أناهيد ( أن الله خلقنا ونبتلى بهذا الخلق الذي نحنُ فيه ( لنبلوكم أيكم أحسن عملًا ) الاختبار : أن ترحل ببدنك لتصلَ إلى الله وقلبك سليم .

فسبحانه ، لمّا خلقنا للبلاء سخّر لنا كل الأسباب التي تصلُ بنا إلى النجاة من أجل أن نصل سالمين إلى الله ، تنتفع بظاهره ويدلك باطنه إلى الله ، تُبتلى بضعفك فتركن إلى القوي ، تُبتلى بعجزك فتركن إلى القادر .

لم يقل لك : كُن وحدك ، كُن تائه ؛ إنما قيل لك : تعلّق بالله ، استح من الله ، اطلب من الله ، قُل : لا حول ولا قوّة إلا بالله .

الله ابتلى خلقه بإيجادهم ، وابتلاهم بما أعطاهم ليتعلّقوا به ، إذا عرف الإنسان حقيقة البلاء ، وأن اختباره دائر في قوّة تعظيمه لله وفي قوّة علاقته بالله وضع الأسباب في مكانها.

الله اختبر فيك قوّة استعانتك به ، هنا يتضّح الخطر ، أن الله عزّ وجلّ يدعو الخلق إلى دار السلام ، ويريد منهم أن يستجيبوا واستجابتهم دائرة في قوّة تعلقهم بربهم . )

كانت هذه الكلمات التي ربطت على قلبي ، الكلمات التي جعلتني أرى عظمة الله فيما أصابني ، التي جعلتني أبحث في طريق سيري عمّا إذا كنتُ في الطريق الصحيح أم لا ، هل أنا سائرة في هذا الاختبار إلى الله ، إذًا عليّ أن أحاول جاهدة في أن أصل إليه بقلبٍ سليم ، بأن أحاول جاهدةً ألّا أتعلق بالأسباب ، وأن أتعلّق بمسبّب الأسباب ، أن أدعو الله ( يامُسبّب الأسباب ، يسّر لي أسباب شفائي ) ، ثمّ لا ألبث إلا أن سخّر الله لي كلّ الأسباب ، ويسّر لي أسباب شفائي ، ثمّ أن الشفاء لم يكُن بيد أحد من خلقه ، إنما بيده وحده .

فكيفَ أحمده حق الحمد ، وكيف أثني عليه الثناء الذي يليق بجلال وجه وعظيم سلطانه .

فالحمدلله .. الحمدلله ، الذي شفاني وعافاني بفضلٍ منه وجود منه ولطفٍ منه ورحمة . 

اللهمّ عودًا حميدًا !

صورة

  بعدَ ان انقطعتُ عن الكتابة فترةً من الزمن تقارب السنة، كنتُ أجدها فكرةً مرعبة أن أعود للكتابة!
أعلم أنه من الغريب أن تبدو فكرةً مرعبة ،ولكنها كانت كذلك بالنسبة لي . خوفي من أن تخونني يداي فلا أقوى الكتابة ، أو يضعف عقلي فلا يستجمع بنات أفكاره ، أو تضعف لغتي فلا تبدو بالشكل الذي يليق . كنتُ قد عزمت على شراء المدونة، وكلما قاربت على القيام باجراءات الشراء تسارع نبضي ، وكأنني سأقابل شخصًا قد غبتُ عنه، أو بالأحرى انقطعت عنه بلا مبرّر ، أجهز في رأسي التبريرات والاعتذارات ، أشعر بأنه سيلطمني على خدي في بداية اللقاء ثم بعد ذلك يحتويني لأبكي وأجهش من شدة البكاء . كنتُ على وشكِ الدخول في مرحلة صعبة أحتاجُ فيها إلى مايقويّني ، إلى مايعيد إليّ ثقتي بنفسي وثقتي بأن الحياة تتسعُ لكل هذه الأعباء ، إلى تفريغ كتلة الأحاديث التي يضجّ بها عقلي ، ولا يستوعبها أحد ، تلك الأحاديث التي لا يجدي معها سوى الكتابة ، فالكتابة وحدها من تهذبها ترتب الفوضى التي تحدثها ، تضعُ كل شيء في مكانه الصحيح ، تجعلني استرخي بعد كل نص أكتبه وأتنهدُ براحةٍ ورضًا ، ثم أشرع في الحياة وكأنني أدعوها لتريني المزيد ، فأنا قد أصبحت جاهزة لكل ماهو قادم . الآن وقد عادت أصابعي تلامس الحروف ، وعاد عقلي ينضح بأفكاره خارجًا ، وأصبح هناك من يقرأ ، أستطيع القول بأنني بدأتُ أشعرُ بالحياة  بدأتُ أستمع لصوتِ الأشياء من حولي .   اللهم عودًا حميدًا ، واجعل ما اكتبه شاهدًا لي لا عليّ ، واهدني وسدّدني .