عن قوّة الـ (لا)!

هل تتحلّى بالقدر الكافي من القوّة ورباطة الجأش أن تقاوم ما استطعت لاستبقاء همتك، وبلوغ مُبتغاك!

أن ترفض التخلّي عن مُرادك، أن ترفض الاستسلام والتوقف عن المضي نحو هدفك. أن تقول لكل ما يعترض طريقك ويثنيك ويجلبُ الكسل والفتور “لا أبرحُ حتى أبلغ”، فتستمر في السعي، في التعلّم، في المواجهة والمقاومة حتى تبلغ، وإن كان استمرارك يعني “أن تمضي حقبًا” أن تمشي طريقًا طويلًا لأعوامٍ طويلة، أن تسلك دربًا تعلمُ مشقته ولكنّك تمضي دون هوادة، فليست العبرة بطول الطريق، بل بالهدف والغاية منه!

ولكن ما يهمّ لتستمر أن تعلم جيّدًا مالذي أخرجك لذلك الطريق الطويل، مالذي دفعك لتلك الرحلة الشاقة، أن تكون الرؤية واضحة تراها رؤيا العين، لا ينطفئ داخلك حتى تنال ماتصبو إليه، كلّما خبت همّتك أيقظتها وشددت من عزمك لإحيائها، فتتوهّج كلما لاح لك في الطريق إجابةً ترد على تساؤلاتك، وتظل تستقي من العلامات والدلائل والاجابات ما يوصلك أخيرًا. فتجد لمقاومتك ثمرةً، وتجد لوصولك لذة، إذ أنك لم تتراجع أو تتقاعس، لم تعد أدراجك يائسًا، ولم تستمع لكلام أحدهم حينما حاول أن يجرّد هدفك من الأهمية والجدوى، ويعيد ترتيب أولوياتك بما يتوافق مع أهوائه ورغباته ونظرته ومبتغاه.

إضافةً على ذلك أن تتعلّم قول (لا) وتجيد استعمالها، أن تقول لا لمصادر الألم، أن تقول لا لفعل لا يعجبك، أن تقول لا لفرصة أتت في غير أوانها أو فرصة لا تناسبك.

وتكمن قوة هذه الكلمة في استخدامها بعقلانية ومنطق، في ألّا تكون مرتجلة، ومتى ما كانت مرتجلة وتقال بغير هدف فإنها تفقد منطقيتها وصحتها وتصبح عنادًا وطيشًا وتصرفًا غير عقلاني البتة، إلى جانب أنها تملك الكثير من الفوائد، فوائد تعود على شخصية الفرد، على قوته وعلى وعيه وثقته بنفسه.

الذي يستطيع قول (لا) هو إنسان معتد بنفسه يعلم جيدًا مالذي يريده ومالذي لا يريده.

ستشعر بحماية حينما تعلم أنك قادرٌ على الرفض، وبأنك تعرف جيدًا غرضك من الرفض أو لنقل السبب الذي يدفعك إلى ذلك، ستشعر بمساحتك وبأن هنالك حدودًا تحتمي خلفها، لن تدفع نفسك في كل موقف، وتحت كل ضغط، أن تشعر بأنك تملك زمام أمرك، وأنك متحكم بما سيحدث ولو بقدر ضئيل، إضافةً إلى ذلك أنك لا تؤمل أحدًا، أو تحمّل نفسك فوق طاقتها.

كثيرًا ما توقف هذه الكلمة أنواعًا من العنف، علاقات غير صحية، عمل مرهق وسلبي يستنزف من جهد وصحة الانسان. ولكن أكرر أرجوكم استخدموها مع كثير من الحذر والمنطق، ال (لا) المرتجلة كانت سببًا في ضياع كثير من الأهداف. أنت لست قوي لأنك تستطيع الرفض أنت قوي لأنك تعلم جيدًا متى ترفض وماهو سبب الرفض، وماهي الصورة البديلة للشيء المرفوض.

إنّها مهارة، وتحتاج لكثير من المران!

تحدثتُ مرة عن فكرة إعجابي بالشخص الذي يعرف نفسه، الشخص الذي يتأمل ذاته وأفكاره على وجه التحديد، الشخص الذي يستمع إلى صوته الداخلي، والذي يعرف نفسه جيدًا، يعرف مالذي يريده ومالذي يرفضه، الشخص الذي ينظر إلى الحياة بعمق، الذي يصل إلى كنه الشيء وأصله وكينونته ولا يكتفي بظاهره، هو غوّاصٌ في الأعماق، لا يخدعه الموج، بل يغوص في داخله، هذا الوضوح والتجلّي يأتي من صدقٍ مطلق مع الذات، أن تكون صادقًا مع نفسك صدقًا لا يشوبه زيف أو خداع، أن تكون في مكاشفة دائمة مع النفس، في استرجاع لأخطائها والاعتراف بها وعدم تكرارها، واستحضار إيجابياتها ومكامن القوة والثناء عليها والحفاظ عليها، والعمل بجد على نقاط ضعفها وتحسينها.

هذا الانسان في كل مرة تلتقي به ستجده مُختلف، ولكن بطريقة رائعة، إنه انسان في دراسة دائمة لكل مواقف حياته، يستنتج التصرف الصحيح وينتهجه، ويستحضر أخطاء الماضي ويتجنبها، له سحرٌ في كلّ مجالسة.

لابدّ وأنك قد التقيت بهذا الشخص، لابدّ! رغم ندرته إلّا أنه حاضرٌ في مختلف الأمكنة والأزمنة، قد تجده صغيرًا في السن وحوله هالة من الذكاء والنباهة، أو قد تجده كبيرًا في السن حكيمًا تستقي منه خلاصة عمره الذي عاشه مُنتبهًا واعيًا ومُدركًا لكلّ مايحدث في داخل رأسه وخارجه.

تشدني مؤخرًا عدة برامج حوارية، تقوم فكرتها على استضافة شخصيات مختلفة، ثمّ يتحدثون عن أنفسهم وعن حياتهم وتجاربهم، بعضُ الأشخاص أشعر بأنه عندما يتحدث عن نفسه كأنه يتحدث عن أهم الأشياء في حياته، لشدة تعمّقه بذاته، واستحضاره لتفاصيل حياته، وانتباهه لكلّ شعور، لكل حدث، ولكل فشل ونجاح، تجده يتحدث عن كل ماحدث وكأنه يقرأ كتابًا، لشدة إدراكه لمسببات الأمور، ونتائجها، والحال الذي كانت عليه، والحال الذي كان من الواجب أن تكون عليه، يسرد أفكاره برويّة وإمعان ووضوح شديد، لقد وصل إلى مرحلة متقدمة من الانسجام والتناغم مع ذاته بسلبياتها وإيجابياتها، بجروحها وندوبها، وبجمالها وتألقها، وعلى النقيض تمامًا هنالك من يتحدث عن ذاته التي يراها الآخرون، لا يعرف حقيقة نفسه، ولكنه يعرف مالذي يُقال عنه، ويتحدث عن نفسه بلسان أشخاص آخرين، إمّا لإثارة الإعجاب أو لنقص وضعف الثقة بالذات، فتشعر به مشتّتًا متناقضًا، لا يعرف من يكون، يقول فكرةً ويناقضها بأخرى، لديه تصور غير حقيقي عن ذاته، وكأني أراه في نهاية اللقاء يصرخ تائهًا، (مالذي قلته!) من أنا! 

إنه في دوامة ومتاهة، لا يستطيع الاستدلال إلى نفسه.

ولا أسوأ من أن تفقد بوصلة روحك، أن تفقد اتجاهاتك، ألّا تستطيع التعبير عن نفسك، أو عن أفكارك، ألّا تعرف لمَ تفعل هذا أو ذاك، ألّا تعرف ماذا تريد، وإذا عرفته فإنك لا تعرف لماذا تريده!

أستطيع أن أخبركم حجم الجحيم الذي يعشيه هؤلاء الأشخاص وحجم الجحيم الذي يجلبونه لمن حولهم، تخيل أن تتعامل مع إنسان لا يعرف نفسه! ولا تعرفه أنت مهما حاولت التعرف عليه فإنك لن تستطيع، وكأنه شخصٌ مجهول، شخص مكتظّ بالكثير من الأفكار والاعتبارات عن نفسه، شخص هو عبارة عن كثير من التناقضات ولا تعلم أيهما صحيح.

إنّه أشبه بالمأزق الذي لا تستطيع فهمه وتحليله ولا تستطيع الخروج منه.

متى ما واجهت أمورك بشاجعة، متى ما علمت أنك مُتخّذ القرار، وأنك الشخص الوحيد الذي يستطيع أن يحدّد إذا ما كان العبء ثقيلًا فلن يتوقف الآخرون عن شحنك والضغط عليك وإثقالك بالكثير من المطالب والرغبات والواجبات، صدقني أنتَ كائن غير شفّاف، لن يستنتج أحدهم مقدار الثقل والامتلاء الذي وصلت إليه، لن يلحظ الآخر بأن وجوده بات عبئًا عليك، مالم تصرّح أنت بذلك، وترفض تحمّل المزيد، لا تنتظر حتى تصل خطورة الأمر إلى التأثير على صحتك النفسية والجسدية، كُن واعيًا لإنائك، راقبه جيدًا، ولا تجعله يمتلئ بما لاترغب حدّ الفيضان، سيفيضُ وتفيضُ روحك، وتصبح الحياة أشبه بكابوس يثقل عليك.

أدرك جيّدًا صعوبة الأمر، وصعوبة الانتباه لمصدر الضغط، خاصةً عندما يعتاد المرء على ذلك المصدر، عندمَا يصبح الاعتياد أسهل بكثير من تجربة شيء جديد، عندمَا تكون الرّاحة في البقاء تحت ذلك الضغط أكبر من الخروج من منطقة الرّاحة، ولكن لن يستطيع أحدنا الإقرار بالشيء مالم يجرّب. ولا تغفل أهميّة الوعي والإدراك والنضج المطلوبة للخروج من المأزق، إنه ليس الهرب، بل الفهم والإدراك والمواجهة والمعالجة ثم اتخاذ القرار.

وأخيرًا.. تعلّم متى تضع (النقطة)، عندما يكون مابعد (الفاصلة) لا معنى له أو أهمية.

عُزلة وتأملات #كورونا٢٠٢٠

“الله عوّدك الجميل .. فقِس على ماقد مضى”

أيّام حرجة يقضيها العالم، وعلى ضفاف جائحة كورونا أمكث أنا بعقلي المُزدحم بالأفكار كعادته.. أحيانًا أتمنّى لو يكون العقل مصباحًا نستطيعُ إطفاءه متى شئنا لننعمَ بالهدوء، ولكن هيهَات.. وبالمناسبة الحمدلله على نِعمَة النّوم.. أتخيل لو أنه قدّرَ لنا أن نبقى يقظين طيلة الحياة، فكرة مُرعبة أليسَ كذلك!
يقول رسول حمزاتوف:

“لا تخبئ أفكارك. إذا خبأتها فستنسى فيما بعد أين وضعتها. أليست هذه حال البخيل، ينسى أحيانًا المخبأ الذي وضع فيه نقوده فيخسرها”

وها أنا أنفضُ أفكاري هنا، علّها تجدُ متسعًا آخر غير رأسي تسرحُ فيه وتمرح.

مر حتى الآن ٧٦ يومًا على بقائي في الحجر المنزلي، لم أخرج إلا لمرتين وكانت لأمور طارئة أحدها متعلق بالعمل..
كيف تبدو الأيام في الحجر المنزلي!
أستطيع أن أخبركم بأن فترة الحجر بالنسبة لي مرت بعدة مراحل..

في المرحلة الأولى تخفّف من أعباء الذهاب للعمل، والارتباطات الاجتماعية وزحمة الطرق، واستمتاع بكمية النوم الوفير والتقلب على أرائك المنزل وقضاء وقت أطول مع أفراد العائلة وممارسة العديد من الأنشطة والألعاب…إلخ

بعد ذلك تبدأ فترة القلق مما يحدث، والخوف مما هو قادم، واستيعاب خطورة الوضع خصوصًا مع أعداد الحالات المصابة التي بدأت بالارتفاع بشكل كبير ومفاجئ وغموض زمن نهاية هذه الأزمة، والملل من طول فترة المكوث في المنزل..

ثم فترة التعايش والتأقلم والنظر للأمور بإيجابية والاعتياد على الجلوس في المنزل لدرجة تبدو فكرة الخروج منه فكرة مرهقة لمجرد التفكير بها..

أقضي أيامي هذي بِرفقة “رسول حمزاتوف” وكتابه “داغستان بلدي”، وأشعر بسعادةٍ عارمة بأن تعرفتُ على كاتب مُدهش من خلال كتابه.
لا أستطيع اختزال مشاعري في بضعة أحرف عندما أبدأ علاقة جديدة مع كتاب وأكون مستمتعة بها، بالمناسبة لدي طريقة خاصة في مصالحة الحياة، عندما يُغضبني أو يُزعجني شخصٌ ما أستبدلهُ بكاتب رائع، وعندما يُزعجني موقف أستبدله بكتاب يحمل العديد من المواقف الممتعة.. ولقد صالحني هذا الكتاب مع الحياة من جديد.. كعادة الكتب، دائمًا ما تفعلُ ذلك! وياللغبطة 🙂

أكثر كلمة من الممكن أن يعبّر عنها انطباعي الذي التصق بالكتاب والكاتب على حدٍّ سواء هي كلمة “الأصالة”، لقد تمثلت الأصالة في علاقة الكاتب ببلده داغستان، بأنهارها وجبالها وصخورها ونسورها، بلغته الأم، بشعبه، وبأمّيه أمّه الأصلية التي حملته وأنجبته، وأمه التي أرضعته. من الوقفات الجميلة التي استوقفتني في كتابه هي:

” وهكذا، أنا مدينٌ لامرأتين على هذه الأرض. ومهما امتد بي العمر، ومهما فعلت لهاتين الامرأتين وباسمهن لن أفي ما لهما علي من دين. فدين الأبناء لا نهاية له. هاتان المرأتان إحداهما أمي، تلك التي ولدتني، وأول من هز سريري، وغنّى لي أولى الأغنيات، وتلك الأخرى، التي قدمت لي صدرها، حين كان محكومًا علي بالموت، فبدأ دفء الحياة يدبّ فيّ فتحوّلت من درب الموت الضيق إلى طريق الحياة، هي أيضًا أمّي.”

أيضًا وهو يصفُ أمّين آخرتين فاضتا عليه بالعطاء (داغستان، وروسيا) فيقول:

” أمّان كجناحين، كيدين، كعينين، كأغنيتين. وأيدي هاتين الأمين كانت تمسح على رأسي برفق، وكانت تشدني من أذني عند اللزوم. أمّان شدتا وترين على طنبور، شدت كلّ واحدة منهما وترًا. ورفعتاني عاليًا فوق الأرض، فوق قريتي، فرأيت من فوق أكتافهما أشياء كثيرة في العالم لم أكُن لأراها أبدًا، لو لم ترفعاني فوق الأرض. وكما لا يعرف النسر عند التحليق أي جناحيه أكثر ضرورة وأعز عليه، كذلك أنا لا أعرفُ أيُّ الأمين أعزّ علي.”

بقدرِ امتناني لجمال اللغة الذي أعطى الكتاب والكاتب قيمةً في داخلي بقدر امتناني لعمل المعربين لهذا الجمال: عبدالمعين الملوحي، ويوسف حلاق.

ولا أعظم من أن يعمل أحدهم على أن ينقل تحفةً كهذه من لغةٍ إلى أخرى دون أن تفقد بريقها وجمالها..

لي في هذه العزلة مع الأيام وقفات وتأملات، مساحات شاسعة من الفكر امتلأت بصورٍ كثيرة، يتنقل الانسان في فترات فراغه وعزلته بين كثير من مراحل حياته، يبدأ بالأقرب منها إلى زمنه الحاضر ثم الأبعد فالأبعد، يصل إلى فترات ماضيه وطفولته، فيحنّ إلى بيته الأول، صديقه الأول، جيرانه الأوَل، مدرسته الأولى، درسه الأول في الحياة، فرحهُ الأول وحزنه الأول، يتذكرها وكأنها مشاهد تُعرضُ أمامه.

الانسان كائن غريبٌ بطبعه، غريبٌ في تكوينه، في اختلافه عن غيره، لكل انسان بصمة، ولكلّ انسان فكرة، ولكلّ انسان طبعٌ ورأي خاصٌ به، كوّنته عوامل الحياة، ظروفها، مواقفها، حتى أصبح بالشكل النهائي الظاهر والبادي عليه، ولا يزال في طور التشكيل حتى آخر ساعة من عمره.

أتأمّل أيضًا في العلاقات الانسانية، عن ارتباط الانسان بالأشياء، عن التعلّق والتشبّث والاعتياد، عن المشاعر التي تتخذ شكلًا مبالغًا فيه، كيف يُوقع الانسان نفسه في فخ التعلق بكل ما هو زائل، هو يعلم ويوقن بأنه زائل، ولكنّه يُبالغ في رغبته وإرادته وتعلّقه حتى يصبح مريضًا به، ويُصبح ما يبغيه ويتمناه هو سبب شقائه وألمه وحزنه، وتحضرني مقولة علي بن أبي طالب -رضي الله عنه-:” فإن أقوى الناس من قوي على نفسه”. أن يملك الانسان زمام أمره، والتحكم بنفسه، فلا يتعلّق تعلقًا فوق المألوف بشيء زائل، ومنه قصّة الفداء العظيمة، كيف امتحن الله أحب خلقه إليه وخليله إبراهيم في ابنه، وفي ذلك عظة وعبرة عظيمة، ورسالة إلى البشرية أجمع بألّا تعلو في القلب محبّة فوق محبة الله، بألّا يتعلّق مخلوق بزائل، وفي ترديدنا لهذا الذكر “لا إله إلا الله” أن تعظيمنا لله وحده، وإفرادنا بمشاعر التعلق والتعبد والتعظيم لله وحده، لا يصل لتلك المكانة العظيمة أحدٌ إلا الله وحده دون سواه، وللإفراد أهمية كبيرة.

يُدرك الإنسان في وقتٍ من حياته حقيقة أن ما كلّ ما يلمعُ ذهبًا، وما كلّ ما تظنه جميلًا في مظهره هو كذلك في جوهره، قد يكون الأشخاص الذين ظننتهم الضوء في آخر النفق مجرد مصباح ضوئي يعمل بالبطاريات، والمسألة هي مسألة وقت واستهلاك، ثمّ ينطفئ.. الضوء في داخلك وهو ما سينعكس على الأشياء من حولك فتُضيء بك. لذلك ارعَ ضوءَك الداخلي، ابقَ مضيئًا دائمًا “لا تنطفئ وأنتَ الذي اعتاد العالم توهجّك”.

لا تمنح حدسك الثقة التامة في بداية الأمر، أنتَ بحاجة لأن تمنح الأمور وقتها، أن تمنح الأشخاص فُرصة الظهور على حقيقتهم، أن تختبر توقعاتك، أن تُخضعهم لتجربة الفرار، أن تُفلتَ يدك عن التعلّق بهم؛ لتختبر رغبتهم في التمسك بك.

وأخيرًا أتمنى أن تمرّ عُزلتكم هذه بالكثير من التأملات التي تُعيد للروح طمأنينتها، وتهذّب من الطباع ما أفسدته الخُلطة، وتُريحُ أجسادكم من وعثاء السفر والركض واللهثِ وراء كلّ شيء، فتُصلح بها قلوبٌ ضلّت، وتعود بها ألبابٌ إلى رشدها، فتميزَ الخبيث من الطيب، وتهتدي إلى ما فيه صلاحُ نفسها.

قيمة المرء ما يُحسنه..

7ca595fef959a2431bbe75fb9304b368


في إحدى مقاعد الانتظار انشغلت بمشاهدة أحد مقاطع الفيديو للاتصال الذي تلقاه الشهير -غاري فاينرتشوك- لفتاة في عمر الثانية والعشرون عندما تحدثت عن قلقها في مرحلة ما بعد تخرجها من الجامعة، وشعورها بأن عليها أن تقوم بعمل شيء عظيم.
عندما استمعت إلى المقطع وجدت في داخلي تأييدًا شبه تام لما قاله غاري، ووجدتني أتساءل عن حقيقة الضغط الهائل الذي نراكمه في داخلنا تجاه التزامنا الشديد بأنه يجب علينا القيام بإنجاز عظيم في وقت قصير، كيف أننا نتسابق مع الآخرين في الوصول إلى غاية عظيمة، عظيمة لدرجة أنها تكاد تكون شبه مستحيلة في الوقت الزمني الذي حددناه بطريقة عشوائية! كأن نصبح أثرياء جدًا خلال الخمس سنوات القادمة، لقد أجاب غاري الفتاة عندما قالت عبارة تشبه تلك بأن قولها لتلك العبارة يؤكد له بأنها لن تفعل ذلك، لن تصبح ثرية خلال هذه المدة الزمنية القصيرة إلا بحصولها على معجزة ما!

الاستعجال في النجاح يأتي نتيجة مقارنتنا إنجازاتنا بإنجازات الآخرين مع إغفالنا التام عن مقارنة ظروفنا بظروفهم، الأمر يجب أن يكون منطقيًا حتى نتخفف من ضغوط وأعباء التفكير الزائد الذي قد ينتهي بنا إلى الدخول في حالات من الإحباط عندما نكتشف بأن الوقت الذي حددناه للإنجاز انقضى ولم نقم بالإنجاز المخطط له.
من الأشياء التي يمكن لممارستها أن يحول دون الشعور بالإحباط هي أن نقوم بإنجازات بسيطة على فترات قصيرة ومتفاوتة، نقارن الشخص الذي نحن عليه اليوم بالشخص الذي كنا عليه بالأمس، أن نقارن الحاضر بالماضي من وقت لآخر، أن نشعر بالاحتفاء عندمَا نجد تغيرًا هائلًا ومدهشًا بين الأمس واليوم، بأننا أصبحنا ولو جزءًا يسيرًا من الشخص الذي تمنينا أن نكون عليه، أن نقيس إنجازاتنا بموضوعية، وتعبيري عن الأمس واليوم هو تعبيرًا مجازيًا قد يتضمن قبل شهر وبعده، أو قبل ستة أشهر وبعدها، أو قد يكون قبل سنة سنتين …. إلخ. تلك الإنجازات ستصب في النهاية في نصاب الإنجاز الكبير.

حديث الفتاة وإصرارها لأن تصبح مميزة وذات قيمة وهدف من خلال عمل شيء عظيم في حياتها أخذني إلى منحى آخر في التفكير، إننا نبحث عن قيمة أنفسنا من خلال العمل الذي نقوم به.

يقول الإمام علي -رضي الله عنه-: “قيمة كل امرئ ما يحسنه”

القيمة التي ستضاف لحياة كل منا من خلال عملنا وإنجازنا ونجاحاتنا، القيمة التي توجد عند الإنسان باختلاف وضعه ومكانه وحاجته، قيمة ما يفعله الفرد في مجتمعه، كيف يمكن لكل ذي حِرفة ومهارة أن يُحسن عمله، يجوّده ويتقنه، لتنعكس تلك القيمة على المجتمع، الأهداف التي يضعها الأفراد في حياتهم وعندما نتعمق فيها سنجد أنها في النهاية تؤدي إلى نجاح الدائرة الكبيرة التي تحيط به “المجتمع”.

يقول عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-: “إني لأرى الرجل فيعجبني، فأقول: له حِرفة؟ فإن قالوا: لا، سقط من عيني.”

وتلك هي قيمة المرء، أن لا يكون كسولًا ملولًا، عاطلًا بطّالًا، لا قيمة له ولا عمل. إنه الوقت لأن يطوّر الأفراد مهاراتهم، أن يستثمرونها لمنفعة أنفسهم، ومنفعة المجتمع والأمة.
بعد التأمل العميق خلال الفترة الأخيرة في أهدافي ودوافعي وجدت أنها في النهاية تأتي تحت التساؤل: ماهي القيمة التي سأضيفها للمجتمع من خلال هذا الدور؟
وذلك ما جعلني لا أستطيع الانقطاع عن العمل التطوعي، إن شعوري بأن أكون شخصًا يقدم خدمة تساهم في نهوض مجتمعه هو شعورٌ رائع.

أعتقد بأن الإنسان جُبل في النهاية إلى أن يكون نافعًا بشكل كبير، بغض النظر عمّا يخلّفه هذا الشعور في نفسه من العظمة والسعادة والرضا، ولكن بالتركيز على العمل نجد بأنه طالما أن الإنسان يسعى لفعل شيء نافع وصائب وتحقيق نجاح عظيم في محيطه فذلك يستوجب أن تتاح له سبل الدعم المُختلفة لتحقّق تلك الطاقة إنجازًا هامًّا على أرض الواقع.
لذلك تسعى المجتمعات إلى تمكين الأجيال الجديدة التمكين الصائب، والذي يصب في مصلحتنا جميعًا.

(عن ابن شهاب: لا تحقروا أنفسكم لحداثة أسنانكم فإن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- كان إذا نزل به الأمر المعضل دعا الفتيان فاستشارهم يبتغي حدة عقولهم).

الشباب هم ثروة المجتمعات، وقمع رؤيتهم، وإخماد شغفهم، وإبطال فاعليتهم، هي أحد الأساليب السامة التي من الممكن أن تعرقل نهوض الأمة، لقد لفتني خلال قراءتي لسيرة عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- اهتمامه بالشباب، لقد علم يقينًا بأن الحضارة تحتاج دومًا لأن تضخ فيها دماء جديدة. إنه مدعاة للتفاؤل، وواعدٌ بالنهضة أن نكون في عصر يمكّن فيه الشباب ويُمنحون الثقة الكاملة، لبناء الحضارة، فالحضارة تحتاج لأجيال متعاقبة ومتفاوتة، التجدد مطلبٌ أساسي لازدهار المجتمع.
وهكذا تُبنى الأمم..!