يُحبّهم ويحبّونه

 

tumblr_mnhomlQgtj1qz6f9yo1_500


لماذا خلقنا الله !

هذا السؤال الذي نجد إجابته تسبقُ ألسنتنا ( لنعبده ) ، و سأسألُ حينها كيف نعبدُ الله !؟

أجدني أرتعدُ أمام هذا السؤال ، أجدني أضعف ما أكون ، وأجهل من أن أجد جوابًا ، كيف أعبدُ الله !

هل عبادتي هذه تليق بعظمة الله وجلاله ، الذي خلقني وأمدني بهذه النّعم ، هل صلاتي تليقُ به ، هل قراءتي للقرآن هي القراءة التي تليقُ بكلام الله ، هل تدبّري تدبّر من يفتّش في هذا الكتاب عن النّور وعن الهُدى ، أم أن عباداتي كلها ستكون وبالًا عليّ يوم القيامة ( والعياذُ بالله ) ، لازلتُ أتساءل وسأظلّ في تساؤل مالَم أتمسك بالقرآن وبالسنة وابحث عن العلم الذي يوصلني إلى الله ، العلم الذي يجعلني أصلُ إلى الله بقلبٍ سليم ، وعلى قدر عنايتك باتباع السنة على قدر صدقك في محبة الله ، صادقًا ومجتهدًا في تعلم السنة ، فالصادق هو الذي أخذ الكتاب بقوّة ، ولأن العلم لا ينقطع فينبغي الاستمرار في تعلم السنة . 

في أحد الدروس التي حضرتها للأستاذة أناهيد حفظها الله ، وفي شرحها لأحد دروس العقيدة ، كان السؤال الذي أشعل خوفي ، ( ألا تخافين أن يستبدلك الله ؟ ) .

ألّا أكون قويةً في الحقّ ، حين أعيش تبعًا لهواي ، حين تكون محبتي على هواي ، فهذا أعظم ما أخشاه ، مشاعر الحب التي وهبنا الله إياها وفطرنا عليها أمانةً عندنا ، يجب أّلا نصرفها في غير محلّها ، أن لا أجعل حبّي تبعًا لهواي ، ومن ذلك أن لا أحبّ أهل الكفر ، ولا أواليهم ، وأن تكون محبتي لأهل الإيمان والتوحيد ، لكن مايحدث وما أخشى على قلبي منه أننا في زمن الفتنة هذا أصبح الكثير منّا يُبغض أهل الإيمان ويحبّ أهل الكفر ، ولو التفتنا الإلتفاتة البسيطة لمن هم حولنا لأدركتُ أنا وأدركت قارئي العزيز حجم الخطر الذي يداهمنا ، ويدخل إلى بيوتنا ، بدءًا بفلذات أكبادنا الأبناء ، أن ندرك حجم الخطر ونفتّش عن مصدره ونغذّي قلوبنا وقلوب أبنائنا بأن القلب هذا ملكٌ لله ، وتبعًا لذلك علينا أن نحب في الله ونبغض في الله ، ليس أن نحبّه لأنه يوافقُ هوانا ، أو لأنه يجلب لنا مصلحةً من المصالح .

لو أحببنا الله حقًّا لأبغضنا كل من يبغضه الله ، فتعلقنا بأهل الكفر يدلّ على أننا لا نحبّ الله ( نسأل الله السّلامة والعافية ).

كثيرًا أرى من يتعامل مع الكفّار يتعامل بذلّة ومسكنة ، يعلّل ذلك برغبته في أن يحصل على مصلحة ، ينسى بأن أمره كله بيد الله ، إن أراد الله جعله يحصّل مصلحته ، كيف يكون المؤمن قويًا وهو يعكس صورةً ضعيفة عنه ، لو أن كلّ مؤمن جعل قوّته في الحق لما أصبح الحق كما هو الحال عليه الآن ضعيفًا مُخذولا من قبل البعض ، يخشى الشخص منّا أن يُظهر قوته في الحق خوفًا من نظرة الناس ، خوفًا من أن ينتقده الجاهلون ممن هم حوله ، نسي بأن مطلبه كله أن يرضى الله عنه ، أن يُثني الله عليه ، وعلى هذا لو ربّينا أبناءنا على ذلك لوجدنا جيلًا ينهضُ بالإسلام ويناصر الحق وأهله ، لو أننا نُحب المؤمن لأنه مؤمن ، ونُبغض الكافر لأنه كافر ، لقويَ الإسلام وانهزم الكفر .

الله يريدُ منّا أن نكون أقوياء في الحق ، أقوياء في إيماننا به ، وفي يقيننا به ، وفي محبتنا له ، أن نمسك الكتاب قوّة ، وإلا سيستبدلنا الله بقومٍ خير منّا وما ذلك على الله بعزيز . 

الخَالة خديجة ( رحمها الله )

 

صورة (1)

 

لا يزالُ صوتها في أذني ، دعاؤها في عتمة اللّيل ( ربّ ارحمني ) ، أنينها الذي لا يتوقّف ، حركتها المُفاجئة وهي تنادي ابنتها : رباااب .. يا بتّي يارباااب !

 الألم الذي شاخ في نبرةِ ندائها ، شعرها الفضيّ ، جمالُ وجهها رغم كبر سنّها ، ونظرتهَا تلك !

تلك النظرَة العميقة التي هزّت كياني ، عندما فُتحت الستارة التي بيننا ، وقعت عيناها على عيني ، أربكتني تلكَ النظرَة ، نظرة الضعف ، نظرَة الوهن ، كانت تنظر إلي وتئنّ ، خشيتُ وقتها ، خفتُ كثيرًا ، أغلقتُ الستار بسرعةٍ وكأنني أهربُ من شيء لا أعلم ماهو ، علقت الدهشة في ملامحي ، يالله .. هل يصلُ الإنسان إلى هذه المرحلة من الضعف ، عندمَا يمرضُ الإنسان سينسَى كيف كان قويًا ، يلتجيء فورًا إلى من هو أقوى منه ، إلى من بيده أمره . 

الليلة الأخيرة التي قضيتها في المشفَى ، الليلة الأخيرة التي سمعتُ فيها أنين الخالة خديجة – رحمها الله – تلك الليلة التي شعرتُ فيها بأن المكان يضيق ، وبأن صبري يكادُ ينفد ، ذلك الممر الهاديء ، تتابع الممرضات نحوي محاولين تهدئتي ، كنتُ أريد الخروج ، لم أستطع النّوم ليلةً أخرى في المشفى ، لم أكن أعلم سبب هذا الضيق .

لكنّي الآن عرفت ، إنه الحزن ، أن تجاور مريضًا لا علاقة لك به ، فلا تسمعُ منه إلا الأنين والدعاء ، عندمَا يُصبح نومي مع نومها ، واستيقاظي على صوت أنينها وتوجعها ، فحتمًا سيُصيبُ داء الحزن قلبي ،  كنتُ أدعو لي ولها ، ولكن حين أتذكر أن الله لا ينسى عباده ، أن الله رحيم بعباده ، ورحمته العظيمة وسعت كل شيء يطمئن قلبي .. 

رحلت الخالة خديجة بعدَ أن صارعت المرَض ، بعدَ أن بكيتُ لبكائها وتألّمت لألمها ، رحلت إلى الذي هو أرحم بها منّا  ، رحلت إلى من رحمته وسعت كل شيء سبحانه .

في آخر يومٍ لي في المشفى ، عندما كان الطبيب يحدثني عن اجراءات الخروج ، سمعتها تصرخ : طلّعوووني .. طلّعووني ! 

بالكاد تمالكتُ نفسي من البكَاء ، كنتُ فرحةً لأنني سأغادر المشفى ، ولكن حزييينةٌ جدًا لحالها ، وعزائي الوحيد أن لها ربّ رحيم هو معها ، يلطف بها ويرحمهَا ، مررتُ عليها ، ودعتُ ابنتها التي رُسِم الحزن في ملامحها ، ودعوتُ للخالة خديجة ( رحمها الله ).

كانت في أضعفِ حالاتها لدرجة أنها لا تستطيعُ النظر إليّ من شدة الألم .

لم أستطع نسيانها ، كلّما وضعتُ رأسي على وسادتي لأنام جاءني صوتها ، فلا أتمالك نفسي من البكاء . 

الحمدلله على ألطافه وأقداره ، رحمها بأن قبضَ روحها ورفعهَا إليه أسأل الله أن يجعل الجنّة نزلها ، ورحمنِي بأن رزقني فرصةً للحياة ، وأخرجني ممّا كنتُ فيه ، ما أعظمه من ربّ ، سبحانه . 

أسأل الله أن يرحمها برحمته الواسعة ، وأن يجعل ما أصابها تكفيرًا لها ، وأن يجعل قبرها روضةً من رياض الجنة ، ويغفر لها ويرحمها ويكرم نزلها ، ويجعلها ممن يدخلون الجنّة بغير حساب ولا سابقة عذاب ، إنه وليّ ذلك والقادر عليه .     

اللهمّ خُذ بأيدينا إليك

...

كيف تكون الحياة عبارة عن جهاد .. جهادٌ مستمرّ ، وليس أيّ جهاد ، الجهاد الأعظم الذي تجدُ ثماره في حياتك ، عندما تلتفتُ يمنةً ويسره تجدُ ثمرة هذا الجهاد ، تجد عظمة من تجاهد لأجله ، تجد حلاوة ولذةً كلّما قرّبك هذا الجهاد من الله ، فتطيبُ لك الحياة ، وتحلو مرارتها ، نجاهد كي نتعلّم عن الله ، نجاهد كي نستمر على طاعة ، نجاهد كي نترك معصية ، نجاهد كي نعظّم الله حق التعظيم ، نجاهد كي نبقى معظّمين لله …

عندمَا يتعلّق هذا المضغة – القلب –  بالله العظيم ، عندهَا ستصفو الحياة .. ستطيب لنا .. سنستعذبُ مرارتها !

عندما نعرف الله ( العظيم ) وهو الموصوف بكلّ صفة كمال ، وله من كلّ صفة كمال أكملها ، فيكون اسم الله ( العظيم ) بين عينيّ ، فمعنى اسم الله ( العظيم ) هو نقطة البداية في طريقنا إلى تعظيم الله . * 

كلّما خضنا في الحياة وانشغلنا بتفاصيلها الزائلة تقسو قلوبنا ، نشعرُ بأننا في تيه ، نحاول أن نبحث عمّا يُشعرنا بأننا في أمان ، فسبحانه أمرنا بما فيه نجاتنا ، أمرنا ( بالصّلاة ) ، نلجأ إليه خمس مرّات في اليوم ، نُقبل إليه كي يغفر لنا ويعفو عنّا ، نصلّي ونرجو من الله أن يقبل صلاتنا ، وليس أن نصلي كي نؤدي ماهو واجبٌ علينا فقط !

( فالطاعة لها آثار ، لكن أيّ طاعة التي قُبلت ، لا نستطيعُ أن نحكم بأن طاعتنا قُبلت ، لذلك نظلّ دائمًا في رجاء وخوف ، لا نستطيعُ أن نجزم لأنفسنا إلا برحمة الله *)

 ( فالعبد المعظّم لله لايخطر على باله أن يقول : لمَ شرعَ الله هذه الشريعة  ؟

لا . . . المعظّم يقول ماشرع الله شيء ، ما شرع الله شريعة إلا وهي شاهدة على كمال صفاته .

كيف يظهر لي حسنُ هذا الشرع ؟

تقول عليّ أن أبحث لكي ازداد يقينًا وإيمانًا لمحاسن هذا الدين الذي يشهد على حكمة ربّ العالمين ، فإذا نظرت نظر المعظّم وفكّرت تجد أن الانتقاد لشرع الله جريمةٌ من الجرائم ، فكيفَ ينتقد هذا العبد النّاقص من كل وجه فعل الربّ الكامل من كل وجه !

فالمعظّم لا يجرؤ على ذلك أبدًا ، بل تجده يجرّم من يتجرأ على شريعة الله ، وتجده ساعيًا باذلًا يريدُ أن يتعرف أكثر على محاسن هذا الدين ، من أجل أن يصلح تفكيره ويكون معظّم لربّ العالمين .

هذا المعظّم تجده شاغلًا تفكيره في أن يتأمل عظمة الدين وليس في أن ينتقد مالم يأتِ على هواه أو وقع في قلبه بغضه لمصلحة من المصالح ، ليس هذا حاله .

حاله شاغلًا فكره بما يعرفه عن حكمة الله ، مثلًا تجده يفكر يقول : سبحان الله كيف أن الله يجعل ماء زمزم منذ أن كان الحدث مع هاجر وإبراهيم عليه السلام إلى يومنا هذا ، فهو يفكّر في القُدره ثم الشرع .

إن كنتَ معظّم لله تعلم حكمته في قضائه وقدره وشرعه ، وتشغل تفكيرك في أفعاله .

نتأمّل في حكمة الله ، ونشغل أنفسنا بالتفكّر في محاسن الدين صادقين غير كاذبين ، أقوياء غير ضعفاء ، نجدُ هنا وهنا مايدلّنا على ذلك .

كثيرٌ منّا لا يعرف الله ، ويظنّ أنه يبتليه بهذه البلايا لمجرّد أن يعذّبه ( تعالى الله عن ذلك ) ( مايفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم ) .

الواجب علينا أن لا ننازع اختيار الله عزّ وجلّ ، فنصل إلى الرضا ، وهذا المقصود به الرضا في أحكامه الكونية ( الرضا بالفقر والأمراض والذريّة ، بما قسم الله لنا من أبناء وأزواج ) هناك أمور يحرّم علينا الرضا بها كالكفر والمعصية فالله لا يرضاها لعباده ، ولكن المقصود أقدارنا التي قدرها الله علينا .

 المؤمن من تعظيمه لربّه يرى الخير في كلّ ما يأتِ به الله ، ولو أتى في ثوب البلاء والشدة والضيق ، غير المؤمن يرى لنفسه الحق على الله ولا يرضا بقضاء الله .

المعظّم لله وليّه الله ، فإنه يعظم الله لايرى له حقّ على الله ، يسأل ربّه أن يرفع عنه البلاء ، إذا نزل البلاء استغفر لذنبه ويعلم أنه يستحق وأن ربه لم يظلمه وأن الله يربيه حتى لا يظلم نفسه .

نحنُ نرتحل إلى الله ، قد نحيد الطريق ، فيأتينا ذلك التنبيه الذي يعيدنا للطريق .*) 

هذه الاقتباسات التي بين الأقواس المتبوعة بعلامة * بعضٌ مما استطعتُ تدوينه في دورة بعنوان ( بناء قيمة التعظيم في نفوس أبنائنا ) للأستاذة الفاضلة بارك الله فيها ونفع بعلمها أ. أناهيد السميري ، كلّما قرأتها في دفتري شعرتُ بجهلي ، كيف نجهل هذا العلم العظيم عن الله ، كيفَ نصلي ، كيف نصوم ، كيف تتحول عباداتنا إلى عادات ، كيف ضعفَ فينا الدين حتى دخلت علينا البدع ، وتبعنا هوانا حتى ضللنا الطريق ، نتعلّم في أمور الدنيا ، ونجهل أمور الدين ، كيف لا نتعلّم عن الله ، كيف نقرأ القرآن دون أن نتعلّمه ، دون أن نقف عند كل صفة لله ونتأمل كمال الله في كل صفة وصف بها نفسه .

عندمَا حضرتُ هذه الدورة شعرتُ بأن شيئًا في القلبِ قد استيقظ ، شعرتُ بأنّ الفطرة التي فطرني الله عليها تحثّني على التعمّق في هذا العلم ، تدفعني نحو البحث عن الله ، عندها شعرتُ بأني خُلقت لغايةٍ عظمى ، خلقتُ لأمرٍ عظيم ، خلقتُ ( لأعبد الله ) كما أمرني ، فالله الذي خلق لنا كل شيء ، الأرض والدواب والأنعام كلّها أسباب لتقرّبنا إلى الله ، نتفكّر في مخلوقات الله لنزداد تعظيمًا له ، أنزل القرآن ، وأرسل المرسلين ليُبلّغوا هذا الدين ، يالله .. ما أعظمهُ من أمر ، أن نوحّد الله ولا نُشرك به شيئًا .

نتساءل كيف نتعلّم عن الله ، نظنّ بأنّه أمرٌ صعب ، لكن لنصدق النّية مع الله ، ونجاهد ..

قالت الأستاذة حفظها الله نصيحةً في أحد الدروس  :

( كلّ يوم جمعة اقرأي من صحيح البُخاري ، كتاب الأدب ، كتاب الاعتصام …، مو شرط بالترتيب بس الباب اللي أفتحه أنهيه .

ابدأي بالقراءة عشان يصير عندك اسئلة في مكانها ، مافيه شيء تسأليه إلا ويرزقك الله إياه ، المهم هو قلوبكم واشتغالها بالعلم )  

أسأل الله العليّ العظيم أن يرزقنا العلم النّافع الذي يوصلنا به إلى كمال الإيمان ، وأن يزيدنا تعظيمًا له ، وأن يغفر لنا جهلنا وإسرافنا في أمرنا ، وأن يتوب علينا إنه وليّ ذلك والقادر عليه .